النسخة الرقميةثقافية
غادرت البناية..

أحمد الغازي/ المغرب
دخلنا مثنى وثلاث، كان السيد الوزير محاطاً برجاله، لم يلتحق بقاعة الاجتماعات إلا بعد نحو ربع ساعة. أما نحن، فخارت قوانا، بعدما بحت حناجرنا خارج المقر الحكومي.
كنا نردد شعارات مطالبة بتسوية بعض الملفات العالقة، منذ مدة من الزمن: سنة، سنتين، سنوات. وكنت أصغر الحضور سناً، أبلغ من العمر آنذاك عشرين سنة، أو ربما أكثر بقليل، لا أذكر جيدا.
كلما أذكره، أني كنت أمام امتحان صعب. بدأت مشواري المهني بقول لا، وقول لا، بالنسبة لمن ألف نعم، سباحة عكس التيار، وخرق للأعراف.
دخل السيد الوزير وسجارته تحترق بين أنامله شيئا فشيئا، بجانبه السكرتيرة بلباس رسمي أنيق، اقتربت منه وهمست في أذنه. ربما كانت تنبهه كي لا يخطئ الكلام، وكي يقوم بتصريف مقررات الحكومة على الكمال والتمام.
بجانبي، وأمامي ممثلون عن فئات عدة من القطاع.. منهم من اشتعل رأسه شيباً، ومنهم من رسمت التجاعيد أخاديد على وجهه، وآخرون قلة، تبدو على ملامحهم حيوية وطاقة وكأنهم لا ينتمون إلينا.
تدخل أول ممثل عن فئة من الفئات، ألقى التحية واسترسل قائلا: كما تعلمون السيد الوزير، ليس عدلاً أن يبقى هذا الملف عالقاً، فبتعنت وزارتكم، سيدي الوزير! تساهمون في تشريد أسر. كما لا يخفى عليكم سيدي، الأسعار في ارتفاع مهول، ومتطلبات الحياة كثيرة، ونحن لا نطالب إلا بحقنا في التسوية، ولا يفوتني سيدي أن ..
رنّ هاتف أحد الأشخاص من الحضور فتدخل السيد الوزير بنبرة ساخرة: رد على المكالمة، قد تكون زوجتك. أنا عندما تتصل بي «المدام» ألغي جميع الأشغال!
ثم بعد لحظات من اللغو والأزّ، رد السيد الوزير على مرافعة المتدخل الأول ولا أذكر كثيرا ماذا كان جوابه. كل ما أذكره، أن ممثل تلك الفئة أصيب بالإحباط وشحب وجهه ثم همس في أذن صديقه . قال له شيئا.
أتى دوري، الكل كان ينتظر. كنت غريبا عن الحضور. لم يروا من قبل هذا الوجه، كيف تكون مداخلته؟ وما مشكلته وهو الذي حط قدمه الأولى في الدرج؟ ألا يخشى السقوط قبل بلوغ السقف؟
«حنحنت» وبسملت ثم أطلقت سراح الكلام الذي يجرحني في صدري: أحييكم سيدي الوزير على غيرتكم على قطاع التعليم، وعلى عملكم الدؤوب من أجل المضي قدماً، نحو مدرسة عمومية شعبية، يتساوى فيها الفقير والغني.. أستفسركم سيدي الوزير عن مصير فئة حاملي الشهادات؟ ليس عدلا أن يبقى هذا الفوج حبيس زنزانته. ما ردكم على الغليان الذي ملأ أرجاء هذا الوطن الغالي علينا؟
أنهيت مداخلتي، همست السكريتيرة في أذن السيد الوزير، همس في أذنها أيضاً، تبادلا الحديث بصوت خافت، ربما يتفقان على الرد. انتظرت لحظات ثم تقدم الوزير بالقول: يتضح لي من خلال مداخلتك هاته أن لديك باعا في العمل النقابي. وجاء على لسانك، أن فئة ما، في سنة ما، استفادت من حقها في الترقية، حقكم الآن. أنتم على حق ومطالبكم مشروعة بني! لكن الظروف تغيرت، وفي تلك المدة كان الوطن على شفا حفرة من النار، وكان لا بد للحكومة أن تتصرف كذلك.. حفاظا على المصلحة العليا للبلد.
ثم غمز السكرتيرة، أحنت رأسها، همس لها ثانية، واستقام. صب كأس ماء في حلقه واسترسل قائلا: ملفكم هذا بيد الحكومة، وأنا هنا أنفذ فقط الإملاءات، أقصد القانون. ولكل قانونه.
كنت أعرف منذ الوهلة الأولى أن رده لن يختلف كثيرا عما دار في ذهني، وأعرف منذ مدة أن الحوار لن يجدي نفعا، وأن الاجتماع لن يختلف كثيرا عن بقية الاجتماعات. رفعت رأسي مخاطبا السيد الوزير: تحملوا مسؤوليتكم التاريخية. ثم تسللت من الباب نحو الخارج. تابعت خطاي والليل اقترب من المنتصف. ثم حين غادرت البناية الحكومية سمعت دوي ضحكة من داخل القاعة.
كنا نردد شعارات مطالبة بتسوية بعض الملفات العالقة، منذ مدة من الزمن: سنة، سنتين، سنوات. وكنت أصغر الحضور سناً، أبلغ من العمر آنذاك عشرين سنة، أو ربما أكثر بقليل، لا أذكر جيدا.
كلما أذكره، أني كنت أمام امتحان صعب. بدأت مشواري المهني بقول لا، وقول لا، بالنسبة لمن ألف نعم، سباحة عكس التيار، وخرق للأعراف.
دخل السيد الوزير وسجارته تحترق بين أنامله شيئا فشيئا، بجانبه السكرتيرة بلباس رسمي أنيق، اقتربت منه وهمست في أذنه. ربما كانت تنبهه كي لا يخطئ الكلام، وكي يقوم بتصريف مقررات الحكومة على الكمال والتمام.
بجانبي، وأمامي ممثلون عن فئات عدة من القطاع.. منهم من اشتعل رأسه شيباً، ومنهم من رسمت التجاعيد أخاديد على وجهه، وآخرون قلة، تبدو على ملامحهم حيوية وطاقة وكأنهم لا ينتمون إلينا.
تدخل أول ممثل عن فئة من الفئات، ألقى التحية واسترسل قائلا: كما تعلمون السيد الوزير، ليس عدلاً أن يبقى هذا الملف عالقاً، فبتعنت وزارتكم، سيدي الوزير! تساهمون في تشريد أسر. كما لا يخفى عليكم سيدي، الأسعار في ارتفاع مهول، ومتطلبات الحياة كثيرة، ونحن لا نطالب إلا بحقنا في التسوية، ولا يفوتني سيدي أن ..
رنّ هاتف أحد الأشخاص من الحضور فتدخل السيد الوزير بنبرة ساخرة: رد على المكالمة، قد تكون زوجتك. أنا عندما تتصل بي «المدام» ألغي جميع الأشغال!
ثم بعد لحظات من اللغو والأزّ، رد السيد الوزير على مرافعة المتدخل الأول ولا أذكر كثيرا ماذا كان جوابه. كل ما أذكره، أن ممثل تلك الفئة أصيب بالإحباط وشحب وجهه ثم همس في أذن صديقه . قال له شيئا.
أتى دوري، الكل كان ينتظر. كنت غريبا عن الحضور. لم يروا من قبل هذا الوجه، كيف تكون مداخلته؟ وما مشكلته وهو الذي حط قدمه الأولى في الدرج؟ ألا يخشى السقوط قبل بلوغ السقف؟
«حنحنت» وبسملت ثم أطلقت سراح الكلام الذي يجرحني في صدري: أحييكم سيدي الوزير على غيرتكم على قطاع التعليم، وعلى عملكم الدؤوب من أجل المضي قدماً، نحو مدرسة عمومية شعبية، يتساوى فيها الفقير والغني.. أستفسركم سيدي الوزير عن مصير فئة حاملي الشهادات؟ ليس عدلا أن يبقى هذا الفوج حبيس زنزانته. ما ردكم على الغليان الذي ملأ أرجاء هذا الوطن الغالي علينا؟
أنهيت مداخلتي، همست السكريتيرة في أذن السيد الوزير، همس في أذنها أيضاً، تبادلا الحديث بصوت خافت، ربما يتفقان على الرد. انتظرت لحظات ثم تقدم الوزير بالقول: يتضح لي من خلال مداخلتك هاته أن لديك باعا في العمل النقابي. وجاء على لسانك، أن فئة ما، في سنة ما، استفادت من حقها في الترقية، حقكم الآن. أنتم على حق ومطالبكم مشروعة بني! لكن الظروف تغيرت، وفي تلك المدة كان الوطن على شفا حفرة من النار، وكان لا بد للحكومة أن تتصرف كذلك.. حفاظا على المصلحة العليا للبلد.
ثم غمز السكرتيرة، أحنت رأسها، همس لها ثانية، واستقام. صب كأس ماء في حلقه واسترسل قائلا: ملفكم هذا بيد الحكومة، وأنا هنا أنفذ فقط الإملاءات، أقصد القانون. ولكل قانونه.
كنت أعرف منذ الوهلة الأولى أن رده لن يختلف كثيرا عما دار في ذهني، وأعرف منذ مدة أن الحوار لن يجدي نفعا، وأن الاجتماع لن يختلف كثيرا عن بقية الاجتماعات. رفعت رأسي مخاطبا السيد الوزير: تحملوا مسؤوليتكم التاريخية. ثم تسللت من الباب نحو الخارج. تابعت خطاي والليل اقترب من المنتصف. ثم حين غادرت البناية الحكومية سمعت دوي ضحكة من داخل القاعة.



