ثقافية

الضرورة الشعرية بين النحاة والبلاغيين

اختلف اهل العربية في تعريف الضرورة الشعرية فذهب بعضهم الى انها ما وقع في الشعر مما لا يقع في النثر مما لم يكن للشاعر بُدُّ ولا مدفع له ، وقال آخر : انها ما وقع في الشعر سواء أكان للشاعر بد فيه ام لا ، ويرى ابو حيان الاندلسي (ت 745 هجرية) انها لغة الشعر بقوله : انما يعنونه بالضرورة ان ذلك من تراكيبهم الواقعية في الشعر المختصة به ولا يقع في كلامهم النثري وانما يستعمل ذلك في الشعر خاصة دون كلام .
وتُعد معرفة الضرورة الشعرية مهمة لمن أخذ على نفسه معاناة النظم اذ بوساطتها يتعرف مدى اتاحة اللغة للبناء الشعري الذي تقبله اللغويون ثم يحكم ذوقه فيما ينتقيه منها حين يضطره النظم الى ذلك ولقد دخلت الضرورة ميادين البحث اللغوي والنحوي والنقدي .
دخلت ميدان اللغة لان تدفع الشاعر الى تغيير صورة اللفظة حذفا او زيادة او عدولا عن القياس في بناء الابنية الى ما يخالفه ، وقد تناول الباحثون في اللغة ذلك ونبهّوا عليه ومن اجل هذا كانت الابيات التي حرفتها الضرورة من القياس اللغوي ميدانا فسيحا لنظر النحاة وتاويلاتهم وتحليلهم وقد ادخلها ذلك ضمن الخلاف النحوي اذا كان كل طرف ينسب جملة ما اصبح به الطرف الاخر الى اثر الضرورة وقد دخلت الضرورات مجال النقد والبلاغة اذ كان نقاد الشعر ينظرون الى هذه الضرورات نظرة ذوقية فينبهون على الحسن المقبول منها ويشيرون الى القبيح المرذول لكن اللغويين والنحاة كانوا احفل بالضرورات من البلاغيين لانهم كانوا يرصدون ظواهر اللغة ويعنون بكل ما تبرزه الشواهد المعتبرة ويديمون النظر فيه في حين كان البلاغيون ينشدون الاجادة ويتشوفون ان يكون النص جيدا مبرأ من كل عيب . من ذلك صنيع ابن جني (ت392هجرية) حين قال : واعلم ان الشاعر اذا اضطر جاز له ان ينطق بما يبيحه القياس وان لم يرد به سماع الا ترى الى قول ابي الاسود الدؤلي :
ليت شعري عن خليلي ما الذي غالهُ في الحب حتى ودعه
و(ودع) هنا بمعنى ترك والمستعمل منه المضارع والامر ولم يستعمل منه الماضي ولا ادري كيف كان ابن جني يوجه قراءة من قرأ الم نشرح لك صدرك بنصب الفعل (نشرح) وغيره كثير في شعر العرب مما خرج عن القياس لذلك كان ابن جني يبيح للشاعر ان يعمد الى نبذته اللغة من ابنيتها فيضمنه شعره عن الاضطرار ويعد الضرورة عذرا يبيح كل ما يرتكبه الشاعر عند الخروج على الابنية والمثل .
اما البلاغيون فيتفقون من الضرورات موقفا مناقضا لما ذهب اليه ابن جني ويدعون الى اجتناب الضرورات كلها على الرغم من اجازة اهل اللغة لها وهي عندهم قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه كما صرح بذلك ابو هلال العسكري (ت 395 هجرية ) وكذلك ذهب ابن رشيق القيرواني (ت 456 هجرية ) في كتابه العُمدة الى انكار الضرورات وعدها مغمزا ينبغي للناظم المحدث ان يتجنبها ويبرىء شعره منها ولا سشغل نفسه بالالتفات الى الشواهد التي آثرت عن العرب والتي تضمنت نماذج لها .
ونجد ان النظر في الضرورة قد اقترن في بدايات التاليف اللغوي اذ نجد سيبويه (ت 180 هجرية) يستهل كتابه بالتعرض لها ويفرد بابا بعنوان هذا الباب ما يحتمل من الشعر .
وجاء النحاة بعده فمضوا على ما مضى عليه وربما زادوا فميزوا ما هو ضرورة حسنة وما هو ضرورة قبيحة وفي ذلك يقول ابو العباس المبرد (ت 285 هجرية) الضرورة لا تجوز اللحن فالضرورة عندهم جائزة ما دامت لا تنقض اصلا مهما او قاعدة تصل بالكلام الى حد اللحن المفضي الى الاخلال والقبح في التركيب
واذا تتبعنا الضرورة في كتب النحاة وناقشناها في ضوء الواقع اللغوي والقراءات القرآنية وصلنا الى نتائج مهمة لكنه يحتاج الى جهد كبير قد يستغرق اطروحة دكتوراه والذي يتذوق اللغة ويعرف سر جمالها في بعض الاحيان قد يسيطر عليه البيت الشعري الجميل المحتوى على الضرورة فينسيه اهم قواعد اللغة ولناخذ مثلا بيت المتنبي
باد هواك صبرت ام لم تصبرا وبكاك ان لم يجر دمعك او جرى
وهنا (لم تصبرا ) خالفت القواعد اللغوية فذهب النحاة يتاؤولون له ليجدوا مخرجا .
واخيرا ارى ان الضرورة الشعرية هي خطأ يقع فيه الشاعر وهو منهمك في موسيقا شعره من دون قصد او عدم معرفة والذي يريد ان يتفحص دواويين الشعراء الجاهلين والإسلاميين والعباسيين والمحدثين يجد طائفة كبيرة من الضرورات تصلح للدراسة كما قلنا.

د. علي حسن مزبان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى