النسخة الرقميةثقافية

هشام الذهبي في أمسية بمنتدى أضواء القلم

لطيف عبد سالم

تُعَدُّ الطُفُولةَ أحد المراحل العمريّة الَّتِي يمر بها الإنْسَان، وَالَّتِي تشكِّلَ مِا يقرب مِنْ ثلثِ حياته، حيث أنَّ الطُفُولة بشكلٍ عام تمتد منذ لحظة وِلادة الإنْسَان إلى لحظةِ بلوغه. وَيرى المتخصصون أنَّ المجرمين، بالإضافةِ إلى مَنْ سلكوا السُّبُل غير السوية هم عَلَى الأغلبِ مِنْ الَّذين كانوا يعيشون المعاناة مِنْ الظلمِ والاضطهاد والحرمان فِي مرحلةِ الطُفُولة؛ لذا فإنَّ الحكومة ملزمة باتخاذ التدابير الَّتِي مِنْ شأنِها تحصين الطفل ضد المؤثرات الخارجيّة بالركونِ إلى التربيةِ وَالتعليم السليم وَالمتوازن.
بالاستنادِ إلى مقتضياتِ تحصين الطفل الموضوعية وَالمترابطة المذكورة آنفاً، أقام منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي فِي مدينةِ الكمالية، أمسيته الثقافية الخامسة للموسمِ الحالي 2018م لمناقشةِ أحد أبرز التجارب المحلية تأثيراً وَأكثرها أهمية؛ بالنظرِ لتعلقها بموضوعِ «الطُفُولة» فِي العراق، إذ استضاف المنتدى الأستاذ هشام الذهبي رئيس مؤسسة البيت العراقي للإبداع، فِي أمسيةٍ رائعة جرت فِي قاعةِ مؤسسة الحوراء القرآنية وحضرها حشد كبير مِن الآكاديميين وَالأدباء وَالإعلاميين وَالتربويين وَالمثقفين والوجهاء وممثلي بعض منظمات المجتمع المدني، وَالَّتِي ألقى فيها الذهبي محاضرة شيقة بفضلِ واقعية مضامينها، وسمها بـ»أطفال الشارع ضحايا أم جناة؟».
بدأت مجريات الأمسية الَّتِي أدارها رئيس المنتدى لطيف عبد سالم، بقراءةِ عضو الهيأة الإدارية للمنتدى الأستاذ أحمد جليل آيات مِن الذكرِ الحكيم، ثم قراءة الحاضرين سورة الفاتحة وقوفاً ترحماً عَلَى أرواحِ شهداء العراق، وبعدها قدم مدير الجلسة توطئة مقتضبة عَنْ مفهوم الطُفُولةَ وَحق الطفل فِي الحياةِ وسلامته الجسمية مع استعراضٍ لأبرزِ الملامح العامة لواقعِ الطُفُولةَ فِي العراق، فضلاً عَنْ الإشارةِ بإيجازٍ لمجموعةٍ مِن الحقوق المدنية للأطفال الَّتِي أقرّتها المواثيق الدولية، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها: حماية الطفل مِن التعرّضِ «للعنف، أو الاستغلال، أو إساءة المعاملة، أو الاعتداء الجسديّ والنفسيّ»، توفير الدعم اللازم له، محاسبة الأشخاص الذين يقدّمون ويساهمون فِي إيصالِ المخدرات للأطفال، منع الأطفال مِن الوصولِ إلى المناطقِ المشبوهة، حماية الطفل مِن الأعمالِ الَّتِي تشكل خطراً عَلَى حياتِه، أو تسبب عائقاً أمام تعليمه، تحديد العمر الأدنى الذي يُسمح للطفل العمل فيه فِي ظلِ نظامٍ مناسب فيما يتعلّق بظروفِ العمل وعدد ساعاته، حق الطفل فِي الحصولِ عَلَى مصادرٍ ثقافيّة، تشجيع وسائل الإعلام عَلَى نشرِ المحتوى ذي المنفعة الأدبيّة والثقافيّة للطفل، إصدار كتب للأطفال ونشرها، حماية الطفل مِن التدخّلاتِ فِي حياته الخاصة ومراسلاته، عدم التعرض بالإساءةِ لسمعتِه وَشرفه، حماية الطفل مِن الاستغلالِ الجنسي بما تباين مِنْ أشكالَه، الحق فِي الانضمام للجمعيّاتِ وتكوينها، عقد الاجتماعات السلميّة بما يتوافق مع القانونِ وحفظ الأمن، عدم التمييز ما بَيْنَ الأطفال، منحهم جميع حقوقهم مِنْ دُونِ التفرقة عَلَى أساسِ الدين، اللون، العرق، الجنس وَالثروة، بالإضافةِ إلى إلزام القيادات الإدارية بإتاحةِ المجال للطفلِ للتعبيرِ عَنْ آرائِه بحريّةٍ وبمختلفِ السبل كالكتابة، الرسم والكلام، بشرطِ ألا يتجاوز القانون، وأنْ يكون ملزماً باحترامِ الآخرين والأمن الوطني. وقبل أنْ يطل ضيف المنتدى عَلَى جمهورِ الحاضرين، قدم مدير الجلسة عرضاً لسيرته الذاتية.
استهل الذهبي محاضرته بالقول : «إنَّ أطفال الشارع مشكلة اجتماعية موجودة فِي مجتمعاتِ العالم المتحضرة منها والمتخلفة، إلا أنَّ ما يميز هذه المشكلة فِي كُلِّ بلدٍ هو كيفية التعاطي معها إنْ كان جدياً أم مجرد حلول بسيطة»، مضيفاً «إنَّ طفل الشارع يبحث عَنْ فرصةٍ للإصلاح وينتظرها بفارغِ الصبر، إلا أنَّ هذه الفرصة وللأسفِ الشديد صعبة المنال خصوصاً بعد أنْ اتفقَ الجميع عَلَى عدمِ منحه إياها، وأقصد بالجميع الأسرة والمجتمع والحكومة». وقد برر هشام الذهبي ما ذكره آنفاً بأنَّ الأسرةَ تصر عَلَى دفعِ طفلها للشارع، وَتصر عَلَى عدمِ إعطائه أي حق مِنْ حقوقِه، إلى جانبِ القيام باستغلالِه أحياناً مِنْ خلالِ زجه فِي أعمالٍ لا تتناسب مع عمرِه؛ لأجلِ الحصول عَلَى المال، ما يعني تكفله بأعباءٍ كبيرة جداً، لدرجةِ حرمانه مِنْ ممارسةِ طُفولته بالطريقةِ الصحيحة، فضلاً عَنْ شعوره بمرحلةِ البلوغ قبل الأوان. أما فِيما يتعلق بالمجتمع، فإنَّ النبذَ يكون مرافقاً لنظرتِه الدونية إلى هؤلاءِ الأطفال. ويشير الذهبي هشام إلى أننا جميعاً قمنا – مِنْ حيث نعلم ولا نعلم – بترسيخِ هذه النظرة الدونية لدى الطفل، وَالَّذِي بالمقابل اقتنع بما فرض عَلَيه مِنْ واقعٍ وأصبح يمارس كُلّ الأشياء السيئة فِي الشارعِ وَعَلَى مرأى مِن الجميعِ دُون خجل!الأمر الآخر الَّذِي يُعَدّ أكثر أهمية هو المتعلق بإخفاقِ الحكومة فِي القيامِ بواجباتها تجاه الطفولة؛ إذ أنَّ مؤسساتها عاجزة عَنْ احتواءِ هذه المشكلة الاجتماعية؛ لكونها لا تضعها فِي إطارِها، ولا تحاول البحث عَنْ الحلولِ الجذرية لها، والأسوأ بحسبِ الذهبي أَنَّ تلك المؤسسات الحكومية لا تريد الاستعانة بالمنظمةِ وأصحاب الاختصاص مِنْ أجلِ توحيد الجهود للقضاءِ عَلَى هذه المشكلة الكبيرة الَّتِي أصبحت كالداء العضال، وبدأت تهدد أمن المجتمع، حيث أنَّ أفضلَ الحلول لدى مؤسسات الدولة هو إيداعهم «سجون إصلاحهم»؛ لأنَّ المجتمعَ لا يؤمن بعمليةِ إصلاحهم، وَلا يملك أدنى قناعة بأنَّ ذلك ممكن؛ الإمر الَّذِي ألزمهم استخدام أبسط الحلول وأقلها جهداً عليهم، والمتمثلة بإلقاءِ القبض عليهم وَإدخالهم سجون الأحداث. وبعد انتهاء الأستاذ هشام الذهبي مِنْ إلقاءِ محاضرته، فتح باب المداخلات الَّذِي شهد مشاركة عدد كبير مِن المتداخلين فِي مداخلاتٍ أثْرَت الموضوع، فضلاً عَنْ إجابةِ المحاضر عَلَيها. وَقد كان مِنْ بَيْنَ أسئلة الحضور سؤال مهمّ يعبر عَنْ رغبةِ الكثير مِنْ أبناءِ هذا البلد المعطاء فِي تعزيزِ العمل التطوعي بمجالِ حماية الطُفُولةَ، وَالَّذِي نصه: «كيف يكون بإمكاني العمل فِي هذا المسار؟»، فأجابه الذهبي بالقول: إنَّ المسألةَ ليست صعبة فِي حالِ توفر الإرادة، والبدايات تكون دائماً متواضعة ثم تبدأ بالتوسع، إلا أَنَّها تحتاج إلى الصبر. وباندهاشٍ واضح سأل شخص آخر عَنْ كيفيةِ تمكن الذهبي مِنْ إيواءِ الأطفال ورعايتهم فِي بدايةِ انطلاق مشروعه الإنساني وهو لا يملك مِن المالِ ما يكفي لاحتضانِ الأطفال، فتحدث الذهبي عَنْ البدايةِ الَّتِي ألزمته جلب أربعة أطفال إلى منزلِه فِي ظروفٍ طبيعية لم تفرض عليه «توسيع حجم القدور فِي المطبخ». و قد كان مسك الختام حديثاً للأستاذ شرف ناصر بوصفِه أحد الأفراد الذين تم احتضانهم فِي هذا المشروع المبارك، وَالَّذِي تحدث عَن البداياتِ لغايةِ تخرجه مِنْ معهدِ الفنون الجميلة وهو ينوي الآن إكمال دراسته فِي خارج العراق. وَفِي ختامِ الأمسية قدم رئيس المنتدى نيابة عَنْ جمهورِ الحاضرين شهادة تقديرية لضيفِ المنتدى الأستاذ هشام الذهبي؛ تثميناً لمشاركته فِي تعزيزِ البرنامج الثقافي للمنتدى، بالإضافةِ إلَى تقديم هديةٍ تقديرية إلى الأستاذ شرف ناصر الَّذِي رافق الأستاذ هشام الذهبي فِي حضوره إلى المنتدى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى