بين أروقة العلم..

سهى الطائي
بخطى واثقةٍ متعبةٍ؛ ونظرةٍ ثاقبةٍ ساحرةٍ سارت كطفلٍ بأولِ طريق الحبو تجرجر خبايا ضعفِها بقوة؛ متمسكةً باختيارها ومصرةً لتحقيقِ الهدفَ المعهود.
بين الحين والآخر تراودُها تساؤلاتٌ كزخاتِ المطر بيوم صيف، كنوارسِ البحر بحين نزهة؛ تارةً تجيبُ السؤالَ بسؤال، وتارةً أخرى تجيبُ برمزية الأذكياء متعكزةً على جبال ذهنها الشامخة.. بزمنٍ يغشاهُ صقيع الآكاديمية! غير مترددة باقتناصها ككنز؛ ليومٍ عسير.
وفي زاوية نائية جلستْ هناك لترى بأمِّ عينها خضارَ الأجواء المتزاحم بالصفار.. الوجوهُ الباسمةُ؛ والقاماتُ المتصنعة لغاياتٍ ملونةِ المعاني! وفي إحدى أنفاسِها العميقة شهقت فايروس معدياً اسمه اللا مبالاة، وبرغم اهتمامِها العظيم بدا عليها برودُ الأنامل تصاحبه دوامةُ العقل الباطن المجهد؛ ليكتنزَ الكمَّ الكافي من العلم، ليستمرَّ بعاصفتهِ الهوجاء!
صمتت هناك ترمقُ، وتترقبُ عن بُعد قريب.
فربَّ نظرةٍ تغنيها عن ألف ألف كلمة، حامت حولَها حماماتُ الاستفهام وقبل أن تهبطَ على شجرة الواقع التهمتها قطةُ الخجل؛ غير أن عصافيرَ البحث كانت ذكيةً للغاية؛ فقد هربت من أنيابِ تلك القطة اللعينة.
كانت روحُها كالبساتين الممتلئة بأشجار المعرفة زاهية بألوان التنوع بفاكهة النور؛ برغم نأيها بقلبها بعيدا لم يتخلل ضوءُ زهوها لمحةَ ظلامِ أرضٍ مخضرةٍ وسماء زرقاء وأجواء ملائمة لنمو اغصانٍ جديدةٍ منقطعة النظير؛ وفي زحمةِ موسمِ الزرع جفَّ رافدُ الماء فتيبست شرايينُ النبض المرهفة؛ لم تستسلم وبدأت تبحثُ عن ينابيع ماءٍ عذبة بقلمها الشامخ لتروي روحها الجريحة.
وقبل أن تجدَ مبتغاها رافد الغيث؛ ليغيث ذهنها الوارف بالعطش!
حينها أمطرت السماء بغزارة قلب فتخلل الغيثُ اراضيها القاحلة لترويها بحنو؛ هكذا كانت وهكذا كنت ربما هي قرينة الروح المغردة بحروفي وربما هي أنا من بعيد؛ فأنشد قلمي يغرد قبل قلبي ، ليرسمَ الحروفَ بحبٍّ وينحتها بشغف؛ وعلى ضفاف بحر العلم رفرفت قصيدتي تصفق أبياتها «لدجلة» مشرئبة حدقاتي للسماء بعنفوان.
من زهو مجدِك غرَّدتْ أزماني
وبها يدندنُ خافقي ولساني
أرنو إليك ونبضُ روحي مقبلٌ
وجلالُ مجدِك بالهوى لاقاني
وبحثتُ عنك أراك وحدَك قبلتي
يادرةً تسمو على الأكوانِ
من شهدِ وردك جئتُ أنهل ظامئاً
كي تستقيمَ بعلمِها أقراني
وحملتُ «دجلةَ» نهجها برؤى فمي
فالعلمُ «إعلام» ونهر معاني
«فعلاقتي» بالخلقِ تبقى ثورةً
وبها أخصُّ العشقَ بالإدمانِ
ولك اتجهتُ بعد تيهٍ غابرٍ
فنسيمُ حبِّك وحدُه أبراني



