الأديبة اللبنانية إيمان عبد الملك: المثقف العربي المنفتح لديه دور كبير في التأثير على المجتمع
المراقب العراقي/ عدنان إبراهيم
ربما كانت التحولات السياسية التي شهدتها الساحة العربية في السنوات التي تلت الألفية الثانية، هي الأعنف بعد انتكاسة 1967، بتأثيراتها الاجتماعية والثقافية بعد ازاحة عدد من الأنظمة العربية التي فشلت تماما في تحقيق التنمية على الصعد الثقافية والاجتماعية. (المراقب العراقي ) التقت الأديبة اللبنانية إيمان عبد الملك و وضعت أمامها رزمة من الأسئلة عن الوضع الذي يعيشه العرب و مواجهتهم التاريخية لسؤال الحداثة والتحديث ، وعن أحوال الثقافة العربية و رعاتها من المثقفين وإصرار المثقف العربي على إيجاد المحفزات التاريخية والحداثوية للنهوض بالواقع ، والرهانات على أن الثقافة هي طريقنا للخلاص، عبر الحوار التالي:* لو عدنا الى السؤال التقليدي، لماذا تأخر العرب وتقدم الآخرون؟
ـ دول العالم الثالث هي دول نامية ذات مستوى معيشي منخفض كانت ولا تزال تعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي رغم وجود الثروات الهائلة في أراضيها ،دون أن تستفيد من النهضة الصناعية أو العمرانية لتحسين اقتصادها ،وهذا ما اثر في المستوى المعيشي للفرد مما زاد من نسبة الأمية وارتفاع في نسبة البطالة والإقبال على الهجرة عدا ذلك عن اقتصادها التابع للدول المستعمرة وهذا سبب رئيس في انهيار تطورها وتخلفها عن الدول المتقدمة من خلال استغلالها واستعمارها بطريقة غير مباشرة.
* المثقف العربي لم يأخذ دوره في تحفيز حركة الحداثة العربية، ما الأسباب؟
ـ المراحل الصعبة التي تمرُّ بها دولنا العربية جراء الفتن الطائفية، الفساد، التجزئة والتبعية، عدا ذلك عن الخراب والدمار والتشرد والفقر التي وصلت إليه شعوبنا نتيجة الحروب الدامية، جعلتنا نقف مكتوفي الأيدي لا نجد سبيل الخلاص إلّا على أيدي مثقفينا الذين يمتلكون الحصانة الفكرية القوية، هم قادرون على التحليل السليم، متجردين من أي حزبية أو طائفية، لديهم الرغبة في التغيير الى الأفضل من خلال المبادرة في توعية المجتمع و بثّ روح الحماس والتعامل مع القضايا بموضوعية فالأمة لا تنهض إلا بعقول أبنائها. لكننا دائما نصل الى طريق مسدود لعدم وجود قوانين تحمي الحريات وحقوق الإنسان، فانعدام الأمن والاستقرار والمحسوبيات كلها أسباب وقفت عائقاً بطريقهم من خلال التصفية الفكرية والجسدية أو إرغامهم على الهجرة القسرية في محاولة إخلاء البلد من ثرواته الفكرية وترك شعوبنا تغرق في مستنقع الجهل والحرمان.
* تشهد الساحة الثقافية العربية عزوفاً عن القراءة، ما الأسباب بنظرك؟
ـ في مجتمعاتنا العربية طبقنا القول بالفعل حين قال «موشي ديان»: «العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يحفظون، وإذا حفظوا سرعان ما ينسون». هنا يعود لغياب دور الأسرة في تشجيع أبنائهم على القراءة، وعدم التثقيف الذاتي عند الكثير من الناس، ضعف مناهج التعليم التربوية في وطننا العربي عدا ذلك عن غلاء أسعار الكتب، الازمات المعيشية والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي جعلت الفرد يسعى وراء لقمة العيش متناسي التقدم والتطور، بالاضافة الى عدم احترام المجتمع للمثقف ومنحه المكانة التي يستحقها وهذا ما يلغي روح الإبداع لديه.
* إذا اعترفنا بواقع العزوف عن القراءة في الوطن العربي، فكيف يوجه المثقف العربي خطابه النهضوي المقروء الى الناس؟
ـ هناك هوية للمثقف العربي وباستطاعته صنع القرار من خلال فهم المجتمع وعلاقاته المبنية التي تربطه بمن يتفهم القضية ويساندها. لديه البصيرة الثاقبة يعمل باخلاص ونزاهة، مسلح بقدر واسع من العلم والخبرة ودقة المعرفة، القدرة التحليلية والاطلاع الشامل المدقق على حركة العصر وتطورات الأحوال البشرية. يقول كلمة الحق، يتصدى لاستبدادية المؤسسات، يكون له دور في التأثير والقدرة في الاقناع.
* بعض المثقفين العرب يعتزل المجتمع ليأسه من رهانات التجديد، هل هو محق بذلك؟
ـ قديماً كان المثقفون هم أداة التغيير، عقل المجتمع وطريقه المضيء، ساهموا في صنع القرار وتوعية أوساط المجتمع. لكن الظروف الراهنة أبعدت الكثير من المثقفين عن الساحة نتيجة التمزقات التي مرَّ بها المجتمع ابتعدوا عن توسيع دائرة علاقاتهم وارتباطاتهم الإجتماعية، مما أضعفهم لذلك فضلوا الإنعزال. فهم موجودون في أوطانهم بأجسادهم وبارتباطاتهم الحياتية اليومية، لكنهم غير موجودين بعقولهم وبطاقاتهم الحقيقية، يعيشون على الهامش بمنأى عن المشاركة بفعالية وإيجابية في القضايا الحيوية التي تمس بلدانهم وأوطانهم ومجتمعاتهم، نتيجة الأقاويل الكاذبة والإتهامات الباطلة ضدهم ، كان بالجدير بهم أن يفرضوا أنفسهم من خلال وجودهم بقوة ويخلقوا بيئة نظيفة تسمح لهم بالتمدد والإنتشار والعمل على نشر الوعي والثقافة لكونهم أكثر وعياً وتأهيلاً وكان بامكانهم العمل بجدية للمساهمة في تفعيل الساحة الثقافية وتحريرها من الجمود والسطحية وأعاقوا طريق عديمي المواهب وفقراء التجارب والخبرة من أن يحتلوا الساحات ويشيعوا البلبلة والقيم المضادة للثقافة ويمارسوا دوراً سلبياً ضد الإبداع وضد الإزدهار الثقافي.
* المثقف العربي (المنفتح) يواجه ثقافة (الانغلاق) بخياري التكيف معها أو مواجهتها، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟
ـ المثقف العربي المنفتح لديه دور كبير في التأثير في المجتمع من خلال نشر ثقافة التفاؤل بعيدا عن التباكي يمتلك حصانة فكرية قوية قادرة على بناء فكر مستقل ،لكن هناك العديد من المثقفين يقفون على الحياد وبموقف المتفرج يغرقون الناس في أمور فلسفية لا تعود بالنفع لأحد، ونجد البعض منهم يغرقون المجتمع بثقافة اليأس ونوع آخر انتهازي أصولي صاحب قلم منافق يتلّون حسب السياسات الخارجية، أما المثقف الفاعل الشريف فتكون لديه المسؤولية والغيرة على بلده وأهله يسعى بكل جدية للتغيير والتنوير.
* ما الفئة التي تفضلين توجية الخطاب التنويري لها؟
ـ ان تقدم الأمم و رقيها يتمثل باحترام المرأة وتثقيفها وإشراكها في المجالات الثقافية والسياسية كافة ، أما عن الفئة الشبابية فهي متميزة بكونها ذات حمولة فكرية مجددة ومتجددة مليئة بالطاقة والحيوية لها القدرة على التطور والتطوير ،طموحة معطاءة ترفض الاستسلام. أن كل هذه الصفات تؤهلها لتقديم المشاريع النهضوية والمرتكزات السوسيو تنموية مما يستلزم وضعها على رأس أولويات المخططات الاستراتيجية لمستقبل مشرق للبلاد.
* ما الذي يمنحك الحافز للكتابة؟
ـ للكتابة دور فعال في استخراج مكنون الذات، تساعدنا على مجابهة الحياة من خلال سرد همومنا الحاضرة والماضية، نكتب بوضوح وعفوية عما يجول بخاطرنا بعيدا عن الرضوخ او الاستسلام، الكتابة تصبح اكثر جرأة بالتعبير عندما ندوّن أفكارنا بحرية دون خوف أو قمع، لكن في زمننا الحاضر أصبحنا نفتقد للحرية الصحافية في ظل الهيمنة السياسية وعدم وجود قوانين تحمي حقوق الصحافي وتبعده عن دائرة الخطر.
* أين العرب اليوم من سؤال الحداثة؟
ـ الحداثة هي التقدم والتطور والنظر للمستقبل بدلا من العودة للماضي، فالتغيير ضروري ويأتي تدريجياً، وعلى مدد متزامنة مما يساهم في طريق التقدم العلمي والثقافي بترك الماضي والانخراط في ثورة الاكتشافات الجديدة وابتكار مفهوم حداثي ونهضوي. ان المجتمعات العربية تحاول مواكبة الحداثة من خلال اتجاهين متجاورين، الأول هو انبعاث الأطر الثقافية الماضية بالرغم من المناداة بقطع الصلة بالتراث، والثاني هو الالتحاق بالحداثة القائمة ،لكن يبقى هناك خوف عند العرب من احداث قطيعة معرفية ودعوة انفصالية عن التراث الفكري العربي مما يتسبب في انهيار الثقافة العربية ومحو الهوية العربية واقتلاعها من جذورها.
* هل انت متفائلة بمستقبل العرب؟
ـ كيف أكون متفائلة والشعوب العربية معدومة الحرية والكرامة الإنسانية؟ كيف يكون المواطن صالحا مخلصا لوطنه وهو يعاني التمييز والقمع والفقر؟ كيف تتكون الذات العربية ولا يوجد دساتير حديثة تضمن العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة؟ كيف تتكون الذات العربية والفكر العربي مسلوب وجيوش الأعداء موجودة في كل دولة من دول شبه جزيرة العرب؟ وكيف تتكون الذات العربية وكرامة العرب والمسلمين مهانة في القدس وفلسطين والجولان؟ لا نهضة بدون ضمان حرية المواطن وكرامته الشخصية ومشاركته في العملية السياسية.
* كلمة أخيرة.
ـ تشهد دولنا العربية في الآونة الأخيرة مأساة حقيقية خاصة عند سماعنا يوميا عن حالات انتحار لفئة شبابية في غزة وتونس وغيرها من الدول العربية، هناك متاجرة بالبشر في ليبيا، وعائلات جمة تبتلعها المحيطات نتيجة الهجرة القسرية، كل ذلك بسبب المستقبل المظلم والمعاناة والبطالة والفقر والتشرد. اتمنى ان تتغير الأحوال للأفضل، وان يعي السياسيون مدى معاناة شعوبهم، والبحث عن حلول مناسبة تزرع الطمأنية في قلوب مواطنيهم، وتأمين العيش الكريم والأمن الذي هو حق من حقوقهم. نحن أجيال فتحت عيونها على الحروب في المنطقة، عانت الأمرين في دولها، جيل أضاع أجمل سنين عمره بخوف من الحاضر وبكاء على المستقبل، يعيش بلا أمل، بلا هدف، لذلك نصرخ بالصوت العالي كفى حروب، كفى تلاعباً بالشعوب، أوجدوا لنا الحلول من حقنا أن نعيش بسلام.



