أبو العتاهية يصف مجتمع الفقر
د. فاروق مواسي/ فلسطين
من الشعر القديم ما كان له وظيفة اجتماعية، وكان من النادر أن ينبّه الحاكم عن حال الرعية، حتى يصلح من حالها، وذلك خشية من سطوة الحكام. من هذه القصائد النادرة ما أنشده أبو العتاهية، وهو يوجهه للخليفة المهدي عن الواقع الاجتماعي الذي تعيشه الرعية في عصره، فيقول:
مَن مبلغٌ عني الإما مَ نصائحا متواليهْ
أني أرى الأسعار أسـعا رَ الرعية غاليه
وأرى المكاسب نزْرة ـ وأرى الضرورة فاشيه
وأرى هموم الدهر رائحة تمرّ وغــــــــاديــه
وأرى المراضع فيه عن ـ أولادها متجافيــــــه
وأرى اليتامى والأرا ـ ملَ في البيوت الخاليه
مِن بين راجٍ لم يزل ـ يسمو إليك وراجيه
يشكون مجهدة بأصوا ـ ت ضعاف عــــــــالـيه
يرجون رِفدَك كي يرَوا ـ مما لقُوه العــــــافـيه
مَن يُرتجى للناس غيرَ ـ ك للعيون الباكيـه
مِن مُصبياتٍ جوَّعٍ ـ تمسي وتصبح طـــــاويه
مَن يُرتجى لدفاع كرْـ ب مُلمَّة هي مـــــــــاهيه
مَن للبطون الجائعا ـ ت وللجسوم العـــــــاريه
مَن لارتياع المسلميـ ـ ن إذا سمعنا الـــــواعيه
يرى الشاعر أن الإمام أو الخليفة لا يعلم حقيقة الأمر بين الرعية، فالأسعار للرعية هي غالية بينما المكاسب نزرة ضئيلة، والناس مضطرون للشراء، فهذه هموم الدهر قد طرقت الناس، وهي تصيبهم ليل نهار تروح وتغدو حتى بلغ الحال أن المراضع لا تتحصل على طعام لترضع، فلنتخيل هذه الأم الضاوية التي لا تفرز قطرة حليب تتجافى وتبتعد عن طفلها الهزيل، فليس لديها ما تقدمه!
أما الجوع فقد استبد، فاليتامى والأرامل هم في بيوت خالية لا تحوي شيئًا يقتاتون به. إلى هذا الحد كانت البيوت ملأى باليتامى والأرامل؟ بل إن الرعية أصبحت كلها بين راج وراجية!
وكأني بالشاعر يسأل سؤالاً مبطنًا: أي خليفة يرضى بأن تكون رعيته على هذا البؤس وسوء الحال؟
أبناء الرعية يرجون عطاءك أيها الإمام، يشكون الجهد وأصواتهم ضعيفة تعلو لتصل إلى مسامعك، هي أصوات قوية ضعيفة معًا- أصوات ضعيفة لهزال أجسامهم، وقوية لشدة ألم الذين يطلقونها-، فمن يرتَجى غيرك، حتى يرأف بهذه العيون الباكية والأفواه الشاكية، فالجوع قد طغى على المُصْبيات (الأمهات) وعلى أولادهن، ينمن ويصحون على الجوع. فمن غيرك يكون عنوانًا لهم من كل كرب وملمة، وقد بلغتْ ما بلغتْ «هي ما هيه»؟ إن بطونهم جائعة، وجسومهم عارية، فمن لهم غيرك، من لهم ليحميهم من كل ذعر ومن صرخات الموت؟
لا يهمنا هنا خطاب الخليفة بقدر ما يصف الشاعر فيه واقع الحال المأساوي في عصره.
صحيح أنه يواجه الخليفة بجرأة عجيبة، بل يقول إن له «نصائحا متوالية»، وذلك في وقت كان يمكن أن يكون فيه متهمًا بالتحريض، وقد لاقى أكثر من شاعر حتفه على أمر أيسر من ذلك بكثير. ولكن شفيعه بعد هذا الوصف هو سؤاله: من يُرتجى»؟ أي من يوقف هذا الوضع غيرك؟ من يخفف من جبروت الفقر؟ سؤال يجعله رسالة للخليفة بأن يتحرك، وها هو يمتدحه في ختام القصيدة لعل فيه ما يخفف من «تجاوزه»:
يا بن الخلائف لا فُقد ـ تَ ولا عدِمت العافيه
إن الأصول الطيبا ـ تِ لها فروع زاكيه
لا نعرف من القصيدة إن كان الإمام يرَ جلية الأمر ويعرف ما وصفه الشاعر، لكن الشاعر يذكّر بصوت عال، ويقرع الناقوس منبهًا، ويقدم «نصائحًا متوالية» لخليفة. يستفز الخليفة أو يستنهضه سيان.
الشعر له رسالة أن يترك تأثيرًا في المتلقي، فهل كانت رسالة أبي العتاهية هنا ومن وراء السطور أن توبخ أكثر مما تحاول أن تستدر العطف؟
لا يهم! فالرسالة قد وصلت، والرعية عرفت بالقصيدة، ولا بدَّ إلا أن يكون لها موقف، حتى ولو حيل بينها وبين الرفض.من جهة أخرى، قد يصل هذا الخطاب الموجه إلى الخليفة فيغير في سلوكه، فهل نتخيل أحدا في بلاطه يقرأ أمامه النص؟ فإذا تمَّ ذلك فهل يضرب الخليفة عنه كشحا؟ وإذا كانت الرعية تسمو إليه ما بين راج وراجية فهل يتغير سلوكه نحوها بعد اطلاعه على القصيدة؟
لا بدَّ من الإشارة إلى أن ابا العتاهية قد جعل من نفسه طرفًا – هو في جانب الرعية، وقد أبان عن ذلك باستخدامه ضمير الجمع (نا)، بالإضافة إلى أنه واحد من المسلمين الذين يستجير لهم: مَن لارتياع المسلمين إذا سمعنا الواعية؟ والواعية هي الصراخ على الميت، فمن يخفف من لوعتهم/ لوعتنا؟



