النسخة الرقميةثقافية

حليمة و الدجاجتان

حليمة و الدجاجتان

اشترت حليمة دجاجتين، ذواتي ريش كثيف، بأفخاذ ممتلئة ومنقارين بارزين، لا تنقنقان إلا لماما، عندما تبيضان، وحين يغازلهما الديك، يرقص الثلاثة وتمرح في الخم، والريش يتطاير من حولهم.
فور أن دخلت بهما إلى المنزل، عم الفرح وبدأ الصغار توشوش وتصرخ: أمي اشترت دجاجتين، ماما اشترت دجاجتين ستبيضان في كل يوم بيضة.
وضعتهما حليمة في خم، وفي نيتها أن يكبر المشروع، أن تحضن الدجاجتان البيض، ويفقس، تخرج الكتاكيت ويفرح الأطفال.
أحلام يقظة معجلة عبرت ذهنها الحالم!
حليمة امرأة بدوية، لها خمسة أطفال، يعيلهم زوجها المختار.. الرجل الذي بمجرد أن بلغ أشده قرر أن يتزوج من حليمة التي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها آنذاك. اشتدت وطأة الأيام وقهر الزمن، فما كان عليها إلا أن تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد البسيط للأسرة، فقررت أن تشتري الدجاجتين، كانت لها تجربة فيما سبق، لكن سرعان ما عصفت القطط والكلاب بالديك والدجاج والكتاكيت. الكل يبحث عن قوت، حتى الطيور في موسم الحصاد تسارع إلى نقر القمح في الزريبة، كن قويا تأكل، كان الديك هو الأقوى ولذلك ظل يهاجم الدجاج و يستحوذ على الطعام.
كانت خطة حليمة أن تعزل الدجاجتين، حتى تنفردا ويتطور المشروع، لكن تزامن الوضع مع موسم القحط حتم عليهما أن يشتركا الطعام مع الأسرة، الحساء والعصيدة و الكسكس وبقايا الخضر والكرنب.. لذلك وضعتهما في الخم فظلتا هناك طيلة أسبوع تنقنقان. تأكلان من بقايا الأطعمة، حتى ضاق بهما المكان، إذ اعتادتا على الجري والتنقل في زريبة كبيرة رفقة عائلة الحيوانات الأليفة.
ذات صباح، أخذت دجاجة المبادرة، دجاجة تمتلك مقومات الزعامة وعبرت لصديقتها عن أسفها لما آلت إليه الأوضاع، إذ إنهما محبوستان وملتا الحساء والعصيدة وبقايا الخضر والطعام. فقالت الدجاجة متحمسة: لدي فكرة! أجابتها صديقتها: ما فكرتك؟
ـ سنتعمد النقنقة ونزلزل الخم بالصياح هكذا، نلفت الأنظار إلينا.
اتفقتا على الخطة وذات مساء، بدأتا بالصياح.. كوكوكو. كوكوكو.
سمع الأطفال صدى الصوت يهز المنزل، انشرحت صدورهم وعم الفرح وجهوهم.. الدجاجة بيضات.. الدجاجة بيضات. أسرعوا إلى الخم، أدخلوا أيديهم وبحثوا جميعا في عز الصخب والصياح فلم يجدوا شيئا، ثم عادوا أدراجهم خائبين منكسرين إلى داخل البيت.
تكرر الأمر، فثارت ثائرة الأب، ونهر زوجته حليمة، وقال لها: لا فائدة من هاتين الدجاجتين، عليك أن تذبحيهما، ونستريح.
اعترضت الزوجة على الفكرة، أطلقت سراح الدجاجتين، خرجتا تنفضان ريشهما، وتصيحان كوكو كوكو… يوما بعد يوم، بدأتا تفقدان ريشهما، فقررت حليمة أن تبحث عن حل.
ذات صباح مشمس، ذهبت عند جارتها، ألقت التحية وشاركتها براد شاي بالنعناع ثم بادرتها بالقول: خالتي السعدية عندي شي دجيجات غادي يموتو بالجوع.. طلبت منها كيسا من الشعير، حتى حين. وافقت الجارة على طلبها «اللي كاين نقسموه أحبيبتي». ضحكتا وتبادلتا أطراف الحديث وعادت حليمة أدراجها مسرورة.
دأبت على توزيع الطعام الجديد على الدجاجتين الشابتين، فوضعت الأولى بيضتها، وهكذا عاد الفرح والبهجة إلى نفوس الأطفال الصغار. أما الزوج فاكتفى بالتعليق: شي نهار ياكلهم الكلب ولا المش.
استمر الوضع، هكذا، وفي يوم من الأيام، مرض أحد الأطفال، اجتمعت النساء في المنزل، يدلين برأيهن حول المرض، تكلمت إحداهن و قالت: إنه ممسوس بالجن، ردت عليها أخرى: إنه «التوكال» وفي عمق الحوار والمواساة أردفت الجارة: راه كاينة الشريفة (الشوافة). نمشي عندها، إيدها زوينا.
ذهبت الجارة مسرعة إلى منزل الشريفة، بعد حوالي ساعة، كانت قد أتت بها، دخلتا وسلمت الشريفة على النساء وتعالت الأصوات: التسليم ألالة التسليم ألالة.. أخذت الطفل، وقبل أن تبدأ بفحصه قالت: الجواد بغاو الفتوح. ردت الأم: شنو المطلوب ألالة.
أجابت الشريفة بروحانية: جوج دجاجات. قبل أن يخرج حرف التاء من فيه الشوافة، سقطت حليمة مغمى عليها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى