مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

لطيف عبد
19
مِنْ البديهي أَنْ تؤدي تلك النَّشَاطُات الأدبية الَّتِي كان يمارسها ـ فِي أيامٍ لا يعرف فِيها الناس الهواتف النقالة وَالشبكة الدُوَليَّة وَغيرهما مِنْ تِقنياتِ الاتصال الحديثة ـ إلى رغبةٍ متنامية فِي الولوجِ أكثر بشعابِ الأدب وَتصفح مَا أتيح له مِنْ دهاليزِ فنّ القريض، فأصبح مثابراً عَلَى الكتابةِ وَالقراءة بعد أنْ استحوذَ شغف المطالعة عَلَيه وجعله يركن إلى الاستمتاعِ بقراءة كل مِا وقع تحت يده مِنْ المطبوعات، وكأنَّه فِي سعيٍ دائم للبحثِ عَنْ عطورٍ تفوح مِنْ رائحةِ أوراقها الصفراء حينئذ؛ بالنظرِ لتطلعه بشكلٍ دائم إلى معرفةِ المزيد مِن المَعْلُومَاتِ حول أحد أبرز فروع الأدب العربي المتمثل بالشِّعْر، بالإضافةِ إلى سعيه الدائم للنهلِ مِن مشاربِ بعض العلوم الأخرى؛ لأجلِ الاطلاع وَالتّعرف عَلَى كلّ شيءٍ جديد فِي الحيَاة، حتى اصبح ميله لإقتناءِ الكتاب تقليداً ثابتاً يمارسه منذ عقود فِي حَلّهِ وتَرْحالِه. وأراني ملزماً بالتنويه هُنَا إلى أهميةِ المطالعة للكتّابِ وَالعلماء وَالمثقّفين وَالسّياسيين على حدّ سواء.
لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ السماويَّ كتبَ عَن قصيدته الغزلية المذكورة آنفاً بعد عقود وهو فِي غربته بأبعدِ أصقاع الأرض نصاً طويلاً وسمه بـ»لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح»، وَالَّتِي ضمنها مجموعته الشعرية «الأفق نافذتي» الصادرة عام 2003 م:
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ
وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ
لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها
وإرسالي المزيدَ من التصاويرِ الحديثةِ
هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟
ـ ـ
لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ جارَتَنا «حسيبةَ»
باعت الثورَ الهزيلَ
وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ
وابنتها ـ التي فُسِخَتْ خطوبتُها ـ اشترتْ نولاً
ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..
كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ
لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه
ولم يكن كتبَ الكتابَ
فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ
وَ وَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ
ـ ـ
فقرُ الطفولة كان مِنْ وجهةِ نظر يحيى السماوي: «عيشاً وَلا أحلى أيام ذلك الفقر الثري بمكارمِ أخلاقه وَطمأنينته وَقناعة إنسانه»، مضيفاً: «كان كُلِّ جار يبعث بصحنٍ مما يطبخه إلى جارِه، فتجد كل بيت وكأنه طبخ عدة أكلات، وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان طعاماً فقيرا لا يتعدى المثرودة وَحساء البصل وَالطماطم وَطبيخ الحميض وَالحرش أبو زريدة – صغار السمك – لكنه كان أكثر عافية مِنْ طعامِ اليوم؛ إذ أَنَّ الأطفال أبناء الفقراء كانوا أقوى، وكانت أجسامهم أسلم بنية مِنْ أبناءِ الأغنياء. ويستشهد السَماوي بحادثةٍ طريفة مِنْ أيامِ عبث طفولته البريئة يوم كان منتظماً فِي مدرسةِ المأمون الابتدائية، حين تمكن مِنْ زميله ابن مدير ناحية الوركاء وأشبعه ضرباً وجعله يبكي طول الدرس، عَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان أطولُ مِن السَماوي وأكبر مِنه، وَ رُبَّما ـ بحسبِ السَماوي ـ كان فطوره يتكون من بيض وَقيمر وَمربّى برتقال وَليس كفطوره الَّذِي لَمْ يكن يتعدى الخبز والشاي، وفِي أحسنِ الأيام كان ما تسمّيه أمه رحمها الله «القرصاع» وهو طاسة ـ وعاء معدني يستخدم فِي العراق لشربِ الماء ـ كاملة مِن العجينِ الرقيق المخلوط ببيضةٍ واحدة، حيث تصنع منه والدته أرغفة تقليها بالدهن وَ توزعها عَلَى عيالها. وللقارئ الكريم أنْ يتخيل «بيضة واحدة عَلَى طاسةِ عجين لثمانيةِ أطفال»، لكن الأَدْهَى مِنْ ذلك هو أنَّ طعامَ الفقراء عَلَى وفقِ رؤية السَماوي يحيى لَمْ يكن سبباً لإصابةِ الناس حينئذ بمرضِ فقر الدم.
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ
وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ
لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها
هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟
ـ ـ
لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ جارَتَنا «حسيبةَ»
باعت الثورَ الهزيلَ
وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ
وابنتها ـ التي فُسِخَتْ خطوبتُها ـ اشترتْ نولاً
ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..
كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ
لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه
ولم يكن كتبَ الكتابَ
فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ
وَ وَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ
ـ ـ
لي ما يُبرّرُ وحشتي هذا الصباحَ
كأنْ أصيخ السَمْعَ
للماضي الذي لم يأتِ بَعْدُ
وأنْ أُعيد صياغةَ النصِّ الذي
أَهْمَلْتُهُ عامينِ
لا أدري لماذا لا أكفُّ
عن التَلَفُّتِ للوراءِ
ولا أَملُّ من التأَمُّلِ في حطامي
ـ ـ
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ «نهلةَ» جاءها طفلٌ له رأسانِ..
نَهْلَةُ كانتِ القنديلَ في ليلِ «الطفولةِ»ِ
ضاحَكَتْني مرةً.. فكبرتُ!
أذكر أنني ـ في ذاتِ وجدٍ ـ
قد كتبت قصيدةً عنها..
وحين قَرَأْتُها في الصَفِّ
صَفَّقَ لي المُعَلّمُ
غير أَنَّ بَقِيَّةَ الطلابِ
أَضْحَكَهُمْ هُيامي
ـ ـ
لي ما يبررُ وحشتي هذا الصباحَ
يقول «رفعتُ» في رسالته الأخيرةِ:
إنَّ «محمود بن كاظمَ» بات ـ بعد العفوِ ـ حُرّاً
غير أَنَّ حديثَهُ يُفْضي الى رَيْبٍ بعقلٍ
فهو يُطْنِبُ في الحديثِ
عن التقدمِ للوراءِ
أو
التراجعِ للأَمامِ
فِي هَذِه المرحلة الدراسية كان حسهُ الوطني يتبلور أيضاً عَلَى وَقعِ مَا شهدته بلاده مِنْ أحداثٍ جسام، حيث كان الصبي يحيى ـ له مِن العمر حينئذ أربع عشرة سنة ـ وَبعض أفراد عائلته مِنْ بَيْنَ أبناءِ السماوة الأصلاء الَّذين هبوا لإنقاذِ ثلة مِنْ خيرةِ أبناء العراق الَّذين حشروا فِي قطارِ الموت عَلَى خلفيةِ اشتراكهم فِي حركةِ الشهيد حسن سريع، حيث فوجئ السَماوي فِي اليومِ الرابع مِنْ تموز عامِ 1963م ـ يومها كان صبياً فِي الصفوفِ الأولى مِنْ دراسةِ المرحلة المتوسطة ـ بعمِه بائع اللبن المرحوم «عبد الأمير» وأبيه يحملان سطلين مِن اللبن «الخضيضة» وَالماء يطلبان منه مساعدتهما بحملِ «رقية» كبيرة اختارها أبوه مِنْ كومةِ الرقي فِي دكانه الصغير الواقع فِي سوقِ السماوة المسقوف. ويشير السَماوي إلى أنَّ المرحومَ «عبد الحسين افليسْ» الَّذِي يُعَدّ أحد أشهر الشيوعيين فِي السماوةِ يومذاك، كان يصيح فِي السوقِ وهو يهرول: «يا أهل الغيرةْ والشرفْ ساعدوا إخوانكم الأحرار فِي المحطة». وَعند وَصول يحيى صحبة أبيه وَعمه المحطة وجدوا أهل السماوة قد حطموا أبواب عربات قطار الشحن، وثمة نحو (500) رجل كانوا منهكين عَلَى أرصفةِ المحطة وَهم فِي الرمقِ الأخير يحيط بهم أهل السَماوة وَيحرسونهم حاملين «التواثي» وَالسكاكين وَالعصي، فيما كانت النسوة يحملن الخبز وَالمتيسر مِن الطعام، وَالصبية ـ يحيى أحدهم ـ أنيطت بهم مهمة توزيع الماء.
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباح
وما سَيَذْبَحُ في رياضِ فمي
أزاهيرَ ابتسامي
فـ»حَمادةُ الحمّالُ» مات حمارُهُ
وأنا أُرَجِّحُ أنْ يكونَ «حمادةُ الحمّالُ»
قد قتل الحمارَ
تَدَبُّراً لـ»بطاقةِ التموينِ»
والسوقِ التي كسُدَتْ
وللحقلِ الذي ما عادَ يعرفُ خضرةَ الأعشابِ
كان «حمادةُ الحمّالُ» مُخْتَصّاً بنقلِ الخضرواتِ
وكان أشْهَرَ في «السماوة»
من وزيرِ الخارجيةِ..
غير أَنَّ حكومةَ «البطل المجاهدِ» عاقَبَتْهُ
لأنه
تَرَكَ الحمارَ يَبولُ تحتَ مِنَصَّةٍ
رُفِعَتْ عليها صورةُ «الركن المهيبْ»
و»حمادةُ الحمّالُ» يجهلُ في السياسةِ..
لم يشاركْ في انتخابِ البرلمانِ..
وحين يُسأَلُ لا يُجيبْ
ويُقالُ:
إنَّ كبير مسؤولي الحكومةِ في السماوةِ
كان يخطبُ في اجتماعٍ حاشدٍ
في عيدِ ميلادِ «ابنِ صبحةَ»
ثمَّ صادفَ أَنْ يَمُرَّ «حمادةُ الحمّالُ»
فاحْتَفَلَ الحمارُ
(و ربما ارتبكَ الحمارُ)
فكانَ
أنْ غَطّى النهيقُ على الخطيبْ
ولذا
أُرَجِّحُ أنْ يكون «حمادةُ الحمال»
قد قَتَلَ الحمارَ
او الحكومةُ أَرْغَمَتْهُ
بأَمْرِ قائدِها اللبيبْ
فـ»حمادةُ الحمّالُ» مَتَّهَمٌ
بتأليب الحمارِ على الحكومةِ
و»المهيبْ»
مِنْ ذاكرة حادثة قطار الموت، يروي السَماوي مشاهدته في المحطةِ خاله رسول وَجارهم المعلم مكي كريم الجضعان وهما يمارسان دور الممرضين بإشرافِ شابٍ وسيم ـ اتضح فيما بعد أنه الطبيب الجراح الشهير رافد أديب ـ وَالَّذِي طلب مِن الأهالي عدم تقديم الماء للسجناءِ قبل وَضع قليل مِن الملحِ أو الدواء؛ لأجلِ المحافظة عَلَى سلامتِهم. وَبعد سنوات عديدة شاءت المصادفة أنْ يراجعَ السَماوي طبيباً جراحاً تقع عيادته قريباً مِنْ ساحةِ الطيران فعقدت الدهشة لسانه؛ إذ أَنَّ الطبيب كان نفس ذلك الشاب الوسيم، وَالَّذِي عالجه ورفض استلام أجور الفحص، واكتفى بأنْ طلب منه نقل تحياته إلى أهاليِّ السَماوة.
بحسبِ الشاعر وَالناقد هاتف بشبوش «هَذِه المحطة البطلة، أصبحت رمزاً عظيماً، لَمْ يعجب النظام السابق، فبنى محطة ثانية للقطارِ خارج المدينة، وتركها لتصبح فِي البدايةِ اسطبلاً للخيلِ وَالحمير، ثم تقدم المهندس أحمد فزاع حين كان مديراً لبلديةِ السماوة بمشروعِ تحويلها إلى فندقٍ وَمطعم سياحي وهو ما كان»، لكن عند زيارتي إلى مدينةِ السَماوة مؤخراً وجدت أَنَّ معالمَها قد اندثرت.
لي ما يُبَرّرُ وحشتي..
بغداد تُطْنِبُ في الحديث عن الربيعِ
ونشرة الأخبارِ تُنْبِئُ عن خريفٍ
قد يدوم بأرضِ دجلةَ ألف عامِ!
وأنا ورائي جُثَّةٌ تمشي..
ومقبرةٌ أمامي!



