على ضوء محاولة تأجيل الانتخابات..!
هو العراق، وهي بغداد وليس غيرهما، ذلك العجوز الذي ولد مع بدء الخليقة، وما زال حيا، وتلك العجوز التي سبق إسمها يوم تأسيسها بقرون وقرون..
في كل دورة من دورات حياته، يتصور قصيرو البصر وعديمو البصيرة، أن المطر سوف يتوقف الى الأبد، وأن دجلة والفرات سيجفان لا محالة، وأن العجوز سيموت، ولن يجد من يقوم بمراسم دفنه، فيترك ملقيا في العراء كما الحسين…
ولكن العراق وهو يتشنج تشنجات الموت؛ وحين يضطرب جسده إضطراباته الأخيرة، وفيما هو يقترب من ساعة الموت، تتقدم ثلة من أبنائه لينتشلوا روحه من لحظة الإحتضار، ليمنحوه حياة جديدة..
هذه المرة كما في المرات النادرة السابقة، سينفض بعض العراقيين غبار الخيبة عن الجسد المنهك، وسينتفضون إنتصارا للعراق ولبغداد، ولمن رحلوا وللباقين ولأنفسهم!..ولربما عادت بغداد هذه السيدة الوقورة، بيضاء لم تعبث بها يد تملكها هي وتتحكم بها، طفلة يانعة تتمرجح طربا، مرتدية ثوبا مزركشا يسبقها الأمل والصدق..،
بغداد المتجلدة بالصبر لم تعد تنتظر؛ فهي عطشى الى فضاءات الحريات، والى أرض نقية بنقاء منصور الحلاج، ليس فيها مسؤول كذاب، أو زعيم سياسي احترف الرياء..وهي اليوم تعلم أنها لا تحتاج لمعجزة، لتعيش بصدق في زمن الأرقام والحسابات، بل الى عقل معجون بالإخلاص، لتحيا بنقاء في عصر الزيف والتزييف..
بغداد ستعود كما كانت دوما، قطعة ارض طاهرة لم يطأها الزيف والخداع..وكي يزال عنها ركام عار الخطيئة الأولى، بحاجة الى ساسة منصفين، وليسوا باعة أزمات، بعضها يصنعونها بأنفسهم، وبعضها الآخر يستوردونه، ويدفعون ثمنه من المال العام!
الوطنية ليست شعاراً فارغا،ً يرفع عند الحاجة أو في مناسباتها، بل هي عنوان عريض لأفعال ومواقف، نلمسها تطبيقا على أرض الواقع، وهي ليست حكراً على جماعات أنانية، لا يهمها إلا مصالحها الضيقة، تشتغل في حقل السياسة، أو على حافاته! يريدون أن تقتصر الوطنية، حسب مفاهيمهم السقيمة عليهم دون غيرهم، فيسعون الى تأجيل الاستحقاقات الوطنية الكبرى، لأن تنفيذها يجعلهم خارج ذاكرة من يدعون تمثيلهم.
بغداد تحلم بساسة يضعون خارطة مستقبلها، محفوظة فيما بين الشغاف والقلب، تحت ثنايا أضلاعهم، يستيقظون فجرا ليمسحوا عن بلاط أرصفتها الدم المتيبس، يوقظون روحها من سباتها العميق، ويكتبون على أوراق أشجار البزرنكوش، قصائد بالحناء، تتحدث عن ألوان عالمها الحر! حينما تغدو الأشياء بعيدة، وفي فوضى الأحداث، ثمة من يعملون على كبح جماحها، وفيما هم يوثقون الفوضى، بحبال العقلانية الممسودة بالصبر، كي يجرر الظلم والفساد أذيالهما، أو ينتحرا!
اختلفوا بينهم ليس من أجلنا، ولا من أجل الوطن، إنما من أجل أنفسهم!
كلام قبل السلام: الوطنية ليست مادة موسمية، أو غلة تطرحها المزارع السياسية في مواسم القطاف.. ناهيك عن أنها ليست شيئا محددا، بمفهوم يمكن كتابته بمقال؛ بل ولا بكتاب أو مئات وحتى آلاف الكتب!
سلام..
قاسم العجرش



