بلفور تآمر على اليهود

رياض البغدادي
ربما سيُصدم القارئ الكريم عندما تقع عيناه على هذا العنوان الاستفزازي لمشاعر الكثير من المجتمعات والحركات التي تتعاطف مع الشعب العربي في فلسطين ، لكن برغم ذلك أنا مصر على ان اليهود تعرضوا لمؤامرة كبيرة تضامنت كل الدول الاوروبية على تنفيذها ، بل وساهمت المجتمعات والقوى الدينية والمحافل الثقافية في اوروبا في تشجيع اليهود على الهجرة الى (ارض الميعاد) في فلسطين. وهذا السر ليس عصيا قراءته لمَنْ يقلَب الصورة ليرى ملامحها الحقيقية.
كان اليهود يعيشون في بلدانهم الاوروبية ويكونون فيها واحاتهم المجتمعية المعزولة عن المجتمعات المسيحية في الدول التي عاشوا فيها ، إلا ان هذه العزلة لم تكن عزلة كاملة ، بل لها خطوط تواصل مع المسيحيين ، لكن بالطريقة التي يختارها اليهودي وليس ما يأمله ويريده الاوروبي .
اليهود كانوا يمسكون بخيوط اللعبة الاقتصادية بكل اطرافها على الرغم من انهم لا يملكون إلا نادراً المصانع الانتاجية التي تُعَدُّ المظهر الواضح للاقتصاد في اوربا ، لكنهم برغم ذلك كانوا يتحكمون بوسائل الانتاج فيها بل ويتحكمون حتى بأسواقها وكميات انتاجها ، وذلك كله عبر سيطرتهم على البنوك ومكاتب تبادل الاموال وتحويلها ، وهذا يعني بصريح العبارة ، التحكم بالتضخم الاقتصادي والعجز في الميزان التجاري والاستيراد والتصدير وحركة المال في البورصات وغيرها من مقومات الاقتصاد الاوروبي. وكان اليهود ايضاً مجتمعاً متمسكاً بمظاهر التدين والالتزام الديني، وكانت النسبة العظمى منهم يقدسون المراسم الدينية وارتياد اماكن العبادة ويشاركون بقوة في المحافل والمهرجانات الدينية الكثيرة الخاصة باليهود والتي تتوزع على أيام السنة.
ولا يخفى على لبيب ان اوروبا رفعت شعار الحداثة والتخلص من التركة الثقيلة للدين ومحاكم التفتيش وسيطرة الكنيسة على المجتمع الاوروبي ووضع مفكرو الحداثة ومنظروها الأسس التي يجب على اوروبا ان تسعى لتثبيتها على الارض الاوروبية في بلدانها كافة والتي تتوافق مع الفكر الرأسمالي وبالخصوص في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهي دول الثقل الاعظم في اوروبا.
اوروبا تعرف جيداً ان انطلاقتها الاقتصادية ينبغي ان لا تتحكم بها قوى منغلقة على نفسها ما يجعل قراراتها وطريقة عملها مجهولة تماماً لراسمي السياسة والخطط الاقتصادية في اوروبا مما يجعل حركة الاقتصاد مبهمة وغير واضحة بسبب تحكم رجال الدين اليهود بها. وبصريح العبارة – اوروبا ارادت ان تستولي على البنوك التي يملكها اليهود ، لأنها ايقنت ان المال وحركة البنوك يمثل حجر الزاوية لكل اقتصاد. لذلك لابد ان تتخلص اوروبا من اليهود وتجعلهم يهاجرون بطواعية والفرحة تملأ قلوبهم وهم يتركون اوطانهم ومدنهم وحاراتهم التي نشأوا فيها وقضوا بين أزقتها اجمل ايام الصبا ومغامرات الشباب. اذن فالوطن الموعود في متناول اليد (فيا يهود العالم أتركوا البنوك لنديرها نحن واتركوا الاوطان لنتخلص من مظاهر تدينكم)..هذه المظاهر التي تسعى اوروبا الى القضاء عليها ، لان المظاهر الدينية اليهودية في شوارع المدن الاوروبية تبعث على تمسك المسيحيين بديانتهم وتزيدهم حماساً الى ارتياد الكنائس ، وهذا لا ينسجم مع (الحداثة) التي تريدها اوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. فجاء وعد بلفور ليضمن للأوربيين اربعة من أهم أسس نجاحهم وهيمنتهم على الاقتصاد العالمي:
اولاً – الاستيلاء على البنوك التي تركها اليهود المهاجرون الى فلسطين مما ضمن لهم السيطرة الكاملة على حركة المال والاقتصاد.
ثانيا – تخليص اوروبا من مظاهر التدين وإنهاء اسباب تحفيز الاوربيين على التمسك بالمظاهر الدينية التي تشكل عائقاً لزحف اوربا نحو (الحداثة) التي جزء منها نشر مظاهر الابتذال والفجور وإنهاء كل ارتباط روحي للمواطن الاوروبي. ثالثاً – تطهير المجتمعات الاوروبية من أسباب الكراهية والحقد التي كانت ظاهرة ذات معالم واضحة تجاه اليهود بسبب (طبيعة اليهودي الجاف الخالي من المشاعر) كما صوره لنا الكاتب الانكليزي الشهير شكسبير بشخصية شايلوك في رواية تاجر البندقية وشخصية فاغن في رواية اوليڤر تويست للكاتب الانكليزي تشارلز ديكنز ، وغيرها من كتب الادب الاوروبي في القرن السابع عشر الى القرن العشرين الذي وصل فيه العداء الى أقصاه في اضطهاد اليهود في المانيا والنمسا وهنكاريا وغيرها من بلدان اوروبا.
رابعا – تهجير اليهود الى فلسطين وتركهم في بقعة صغيرة من الارض وسط عالم اسلامي مترامي الاطراف يبرر التدخل في شؤون هذا العالم بدعوى حماية اسرائيل وسلامة شعبها (المسكين) الضعيف.
ومن ذلك كله نخلص الى ان بلفور لم يتآمر على فلسطين فحسب بل وتآمر على اليهود ايضاً، فبدل ان تسعى اوروبا الى اعطاء اليهود الحقوق الكاملة للمواطنة في بلدانهم التي هم جزء لا يتجزأ من شعبها وتسعى الى دمجهم وتعويضهم عن سنين المعاناة بسبب الاضطهاد ، لكنهم بدل ذلك قاموا بحياكة مؤامرة ترحيلهم وخلعهم من جذورهم ورميهم في البحر لتنقلهم سفن متهالكة الى فلسطين مما تسبب في غرق الكثير من اطفالهم ونسائهم ومن غير شفقة استمرت المؤامرة. لذلك أرى أن تتحمل أوروبا المسؤولية التاريخية وتعمل على تعويض اليهود وتعيدهم الى اوطانهم وتقدم لهم الاعتذار الذي يتناسب وهذه المحنة التي وضعتهم فيها اوروبا الظالمة.



