عن الإصلاح الثقافي وخديعة المؤسسة


إبراهيم البهرزي
يبدو أن (ظاهرة) الإصلاح المغوية في طريقها لأن تكون الشاغل الأكثر خفّةً الذي صار يستحوذ على الحركة الاجتماعية والثقافية في بلد، يبدو واقعا وفعليا انه يمر في اسوأ درجات السكون والتوكل السلبي. هي ظاهرة فعلا، بل ظاهرة تتمتع بكل ما تتمتع به ظواهر موضات الازياء Fashion Mode، من استعراضٍ وشكلانيةٍ واعتباط،
وهي مغوية فعلا,بسبب ما تتيحه وسائل الإعلام المجانية من إشهار وإعلان يرضي النزعات الاستعراضية التي تتفشى في ازمنة الخفة الفكرية وشيوع ظواهر الثقافة الاجتماعية الترفيهية التي لا تتجاوز غاياتها غير الابهار وتزييف الوعي, لغايات استهلاكية مهمتها خلق كانتونات ثقافية (طريفة)، تشغل وعي المتلقي المنبهر بالحياة الشخصية التراجيكوميدية للمثقف والغيتو الثقافي المحيط به، من اجل التأسيس لنجومية تقوم على السخرية الفجة والانماط السلوكية (المتفردة) لكائنات تحاول تشكيل بيئة جديدة، تستبدل الانتاج الثقافي المتفرد بالسيرك المرح.
الانماط التي اشتقت فكرة الاصلاح الثقافي من دعاوى (الاصلاح) السياسي التي اثبتت إنها لا تخرج عن إطار الصراعات الملفقة بين جماعات ورموز متفقة منهجا وسلوكا على وحدة الغايات والاهداف الدنيئة، هذه الانماط تستثمر اسلوب التغطية نفسه الذي تمارسه الجهات السياسية المذكورة من حيث استخدام ستراتيجية الالهاء الرثة التي مورست كثيرا من الانظمة الدكتاتورية بشكليها الصريح السالف والمقنع الحالي.
لأجل أن لا نتهم، كالعادة، بعدم الرضا عن اي شيء ـ بالمناسبة اين الشيء الذي يستدعي الرضا؟ ـ نعود الى قاعدة منطقية لم تثبت حتى الان ـ للاسف ـ بطلانها، وهي ـ للاسف ايضا ـ شائعة الى درجة الرثاثة، ولكنها ـ للاسف ثالثة ـ ما عاد يعتمدها احد في عموم المعايير.
فاقد الشيء لا يعطيه، منطق بسيط جدا كبساطة المعادلة التي تقول ان١ ـ ١ = صفر.
وما دمنا في اطار الحديث عن الاصلاح الثقافي حصرا، فما علينا الا اسقاط هذا المنطق على مصادر خطاب الاصلاح الثقافي المذكور، وسنكتشف من دون التجني على فرد أو مؤسسة، ان ذلك الخطاب ينطلق اما عن مؤسسة ثقافية مهنية تدعى اتحاد الادباء العراقيين وعلى ألسِنة اولي الأمر فيه، او عن مؤسسة ثقافية رسمية هي وزارة الثقافة وعلى ألسِنة الراسخين في مواقعها الوظيفية. والآن لنحاول تأصيل هاتين السلطتين الثقافيتين ونترك للمتأمل المنصف مدى صدق نية دعاتها للاصلاح.
منذ تأسيس اتحاد الادباء وحتى الساعة وهو يعد المرجع الاوحد لكل كتاب وادباء العراق، شأنه شأن المؤسسات النوعية الثقافية الاخرى. ان مفهوم المرجعية الوحيدة لا شك هو نتاج نظام وفكر بطرياركي شمولي يعتقد ان بيت الاب هو البيت الوحيد الذي يمتلك شرعية الحل والعقد، وان الخروج عن ديوانه هو العقوق بعينه (في الثقافة تستعير هذه الصفة دلالات اكثر اذى وقسوة وهي للاسف ايضا مستعارة من قاموس الخطاب الايديولجي كمفردات الانشقاق والانعزال والتشظي كمعادل لمفهوم الوحدة الوطنية التي يمثلها بيت الادب، الاتحاد الاوحد، وصولا الى التلويح بالعمالة). وظل بيت الاب الادبي دوما تحت رعاية الاب الراعي وهو السلطة والايديولوجيا بمختلف توجهاتها، ظل وحيدا اوحد على الرغم من اختلاف امزجة الابناء وتناقض امزجتهم الفكرية، وبالتالي فقد ظل كل الابناء المختلفين عن مزاج الاب من دون بيوت مشروعة، ومن يتمرد منهم فليس له غير المبيت في الشارع محروماً من كل ارثٍ وهبة.
يموت أب ويرثه اخ أكبر ليرضخ كل الابناء لمشيئة الراعي الجديد، هم انفسهم، يبدلون القناعات سراعاً من قناعات الاب الميّت لقناعات الاخ الاكبر ثم الذي يليه.
يبدلون القناعات ولا يجرؤون على الانفراد بقناعاتهم تحت خيمة بيت اخر جديد، ذلك لان القناعات عندهم هي وسائل، والبقاء في البيت ايا كانت سمعته هي الغايات.
عبر الحقب المختلفة لن تجد من يرعى شؤون هذا البيت غير الوجوه نفسها، ولا شك ان بيتا عتيقا تديره عقليات الشيوخ واربابهم الاوفياء من الغلمان لن يسعى لترميمه احد بسبب الاستئناس لذلك الارث البطرياركي ومنافع موروثاته.
من الممتع ايضا ان نكشف ان الصلات بين اهل هذا البيت ومؤسسات البيت الاخر (وزارة الثقافة) كانت دوما تقوم على مبدأ المنافع المشتركة، بل اكثر من ذلك فإن من يزكي أعيان هذا الدار هو مؤسسة الدولة بثقلها الايديولوجي على اختلاف توجهاته (والذي ستحل بعده التزكية الطائفية المشتبكة مع الايديولوجيا في خلطة سحرية لن يصدقها احد، هبوني المجنون الوحيد الذي يصدقها حتى اشعار آخر).
والعكس صحيحٌ دوماً!
على وفق ذلك، أ لم يكن هذه الدار ونظيرها الرسمي الاخر هما سبب الخراب الثقافي؟
قبل الاجابة عن السؤال ودفعا لاي تجنٍّ لنتعرف على وسائل انتاج الثقافة في البلد منذ نشوء هاتين المؤسستين. كل وسائل انتاج الثقافة طوال كل العهود لم تتجاوز غير مؤسسات الدولة ومؤسسات الاحزاب، وما كان لمثقف او مبدع ان يرى النور الا من خلالهما، وطالما كان رئيس التحرير او المحرر الثقافي او المسؤول عن الرقابة هو ابن الدولة او ابن احد الاحزاب (باستثناء الابناء العاقين النادرين الذين حوربوا لسنين إهمالا وتهميشا وبعض المنقلبين تذمرا على كل ايديولوجيا تورطوا بها يوما، وهم الاندر).
هؤلاء هم الذين صنعوا ثقافتنا الفاسدة من خلال فرض رؤيتهم ومزاجهم على مجمل النتاج الثقافي، بما في ذلك الصرعات الادبية التي كانت تتعاظم عند الازمات السياسية الكبرى ليس بمحض الصدفة تاكيدا، ولا اظن ذاكرة المؤرخ الثقافي المنصف تستطيع التغاضي عن هذه الصرعات التي اتسمت بالخفة والاعتباط وازمنة بزوغها، ليكتشف بمنتهى البساطة انها كانت تأتي في لحظات اختناق النظام السياسي تحت وطأة الازمات الكبرى.
المحرر والمسؤول الثقافي (في المؤسستين معاً) هو منتج هذه الامزجة والصرعات مثلما هو منتج ثقافة القوالب التي تستريح لها السلطة التي يعتاش من خيرها او الايديولوجيا التي كونته (من ينكر ذلك سابين له بالإسم)!
لا حل امام المثقف غير الصمت او المنفى او الرضوخ للصرعة او القالب، هكذا تشكلت ثقافتنا التي انتبه صناعها انفسهم الى انها كانت فاسدة وصاروا يطالبون باصلاحها!
تأملوا من يدعو للاصلاح الثقافي ويكتب عنه وتأملوا دوره في اصلاح ما كان يفسده هو تحت ادارة المؤسسة او الايديولوجيا التي صنَّعته وستكتشفون بكل بساطة ان موضوعة الاصلاح الثقافي ووفقا للقانون المنطقي الرصين هي ليست غير خدعة من خدع (الاصلاح) السائدة، وان غايتها ليست الا التغطية على سيرة طويلة لثقافة فاسدة لازلنا نخجل من الاعتراف بمساهمتنا جميعا في انحطاطها.
نعم جميعا، اقولها لاجل ان لا استثني نفسي، فانا بدأت تحت رعاية ايديولوجية حيث لا طريق غير ثقافة السلطة او ثقافة الحزب الاخر، ومن باب رد الجميل فاني كتبت نصوصا ايديولوجية قد يحمل بعضها ثقلا ابداعيا وقد لا يحمل بعضها غير البريق الدعائي، واذ اعتذر لكل قرائي عن اي نص دعائي محض فاني ارجو ان لا يساء الفهم على اني اتنصل من الافكار التي امنت بها، كل الامر اني اؤمن بافكاري ذاتها خارج الغيتو الحزبي لاسباب لا اريد الخوض فيها، كما ازعم اني حاولت ان لا اقسر فكرتي الفلسفية التي اعتقد بالنص الابداعي، نجحت في ذلك او فشلت فهذا اجتهاد لا يعول فيه على حكمي لنفسي.
لا يصلح الثقافة من افسدها قبل ان يعترف بمساهمته في افسادها ويبين وجوه الافساد الثقافي، على الاقل في موضعين قاتلين:
الابقاء على اتحاد واحد وحيد وعدّه مرجعية الاديب العراقي رغم ترهله وفشو البيروقراطية والفساد في مفاصله، هذا من جانب، ومن جانب اخر الاعتراف بجناية السلطة والايديولوجيات الحزبية الموجهة (ومن بعدها الطائفية المضمرة تحت الجبة الايديولوجية)، الاعتراف بجنايتها ومساهمتها في افساد الثقافة.
وحتى تكون هنالك اكثر من مرجعية ثقافية لأكثر من توجه ثقافي تتعايش معا وفقا لمفهوم التطور الجدلي الخلاق.
وحتى يكف الغطاء الايديولوجي عن الترويج وعن النفخ في الدمى الفارغة ابداعيا لاغراض البروباغندا السياسية وتزييف الذائقة الابداعية للقارئ. حتى ذاك، سيكون الحديث عن الاصلاح الثقافي حديثا زائفا مهمته التغطية على الاسباب الحقيقية لفساد الثقافة العراقية، بالضبط شأنه شأن الحديث عن الاصلاح السياسي.



