التسوية وصياح الديك ..!
كنت قبل بعض يوم؛ في ملتقى حواري عن مستقبل المنطقة أقيم في بيروت، وعلى هامش الملتقى كان لي عدة لقاءات، مع عدد من المهتمين بالشأن العراقي، ومن بينها لقاء معمق؛ مع أحد كبار المثقفين من غير العرب، بدأناه عند منتصف الليل، وأنهيناه عندما سمعنا صياح الديك!
كان محاوري ملما بتفاصيل الوضع العراقي، وبدا وكأنه يعرف خارطتنا السياسية بدقة مدهشة، ومن بين الموضوعات التي تناولناها بالبحث والتحليل؛ كانت قضية التسوية الوطنية وآفاق التوصل اليها.
كان محاوري متحمساً للموضوع، بل ومتبنياً أو مسانداً، فقد قال :إنّكم لن تستطيعوا المضي قدما، بدون الخضوع الى جراحة فوق الكبرى، والتسوية من هذا النوع من الجراحات، التي تحتاج الى جراحين مهرة، لكن عدد ما متوفر منهم لديكم، قليل جدا بل نادر في الواقع.
توصلنا في حوارنا؛ الى أن أي نشاط سياسي كبير بحجم التسوية، بحاجة الى أن يمر بأربع عشرة مرحلة، لا يمكن حرق أي منها، بل أن محاولة حرق أي من المراحل، ستدمر ما قبلها وتحبط ما بعدها.
في المرحلة الأولى، يجري العمل على توصيف وبناء الموضوع، وتحديد الأطراف التي يجب ان تشارك فيه، ويتعين الحذر عن إختيار الأطراف، إذ أن إشراك أطراف ليس لها تأثير إيجابي، أو ليس لها حجم مؤثر، سيربك الخطوات اللاحقة، أو كمن يضع نملا أبيض في جذع شجرة عمدا.
في المرحلة الثانية، يجري جس نبض الأطراف المقصودة، والتفاعل معها بإيجابية لكن بحذر شديد.
المرحلة الثالثة؛ هي مرحلة الترويج الوطني والإقليمي والدولي، للأفكار الأولية للمشروع، وطبعا تليها المرحلة الرابعة؛ التي يتم فيها تلقي الردود الأولية أيضا.
المرحلة الخامسة؛ ورش عمل متعددة، يجري خلالها المزاوجة بين الردود، ومفهوم المزاوجة؛ لا يعني أن يؤخذ متوسط الردود، بل تقبل جميع الردود بلا إستثناء، ثم يتم بناء محصلة تفاعلية لها.
المرحلة السادسة، تقتضي جهدا كبيرا لإقناع أطراف المشروع بالمحصلة، بما فيها الأطراف الإقليمية والدولية، وتليها مرحلة الطرح العام للمحصلة، التي تمثل نضوجا للمشروع، وهي سابع المراحل.
في المرحلة الثامنة؛ يتم العمل تحت الطاولات، حيث تجري سلسلة طويلة من الترضيات والإسترضاءات، التي يفترض أن تؤدي الى المرحلة التاسعة، وهي مرحلة الصياغة شبه النهائية.
في المرحلة العاشرة؛ وبعد إتمام الصياغة يعلن المشروع على الملأ، مقرونا بموافقات الأطراف الصريحة والعلنية، ثم تذهب الأطراف الى إستراحة قسرية، كمرحلة حادية عشرة.
بعد الإستراحة القسرية، وهي ضرورية لإلتقاط الأنفاس وتلقي الصدمة والشتائم أيضا! سيتم الشروع بالمرحلة الثانية عشرة وهي مرحلة التنفيذ.
المرحلة الثالثة عشرة؛ هي مرحلة الإستقرار، التي تتطلب عملا حثيثا، وفرق عمل متعددة.
المرحلة الرابعة عشرة؛ يجري فيها مراجعة ما أنجز، ونقاط الإختناق، والأخطاء أيضا..
هذا كله يقتضي جهدا كبيراً ووقتا طويلا، ليس متوفرا بأيدينا، لأننا على موعد مع الإنتخابات النيابية، في نيسان من العام المقبل.
كلام قبل السلام: عشرة أشهر فقط، نصفها على الأقل سننشغل خلاله بالترويج لقوائمنا الإنتخابية، ونصفها الذي قبله، سنكون في معترك تشريع قانونين للإنتخابات، الأول لمجالس المحافظات، والثاني لمجلس النواب، وسنمضي وقتا صعبا، في معالجة مشكلة مفوضية الإنتخابات، فمتى ترى التسوية الوطنية النور؟!
سلام..
قاسم العجرش



