اخر الأخبار

فرنسا تنتخب رئيساً ولا تنتخب قائداً.. وعود بخروج فرنسا من مظلة حلف الناتو

لم يكن مفاجئا عدم حسم نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الجولة الأولى، وحتمية اللجوء إلى الجولة الثانية في السابع من أيار القادم.. إنّ تقارب نسب الأصوات التي حصل عليها المرشحون الأربعة (ماكرون، فيون، لوبان، ميلانشون)، في الجولة الأولى يدل على عدم وجود قيادات فرنسية كبرى قادرة على استحواذ الالتفاف الجماهيري الواسع حولها.
كما يعكس ذلك حالة الانقسام الشديد في الشارع الفرنسي خصوصًا، والأوروبي عموما، داخليًا بما يتعلق بقضايا الاقتصاد المتردي واللاجئين، وحول مختلف القضايا والصراعات الدولية وسياسات حكوماتها الخارجية، تجاه محاربة الإرهاب، ومواقف تلك الدول من الحرب الكونية في سوريا وعلى سوريا.
إنّ طرح بعض المرشحين وعودًا انتخابية تتعلق بخروج فرنسا من مظلة حلف الناتو، يعكس محاولتهم لاستمالة الفرنسيين الرافضين والغاضبين من تورّط بلادهم بالسياسة الأطلسية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي لم تستطع أن تقدم لهم ما يكفي لحمايتهم من الهجمات الإرهابية التي طالت فرنسا خصوصًا وأوروبا عمومًا.
إنّ سرعة التعبير الألماني عبر وزير داخليتها والمتحدث باسم حكومتها، عن سعادتهم ودعمهم لفوز ماكرون مقابل الإعراب عن مخاوف هذا الأخير من فوز لوبان، ووصفه بـ»الكارثة»، يعكس اهتمام الحكومة الألمانية الحالية بالانتخابات الفرنسية، وتدخلهم فيها، ويأتي كمؤشر على احتمالية تدخل غير دول من القوى العالمية واللوبيات والأيدي الخفية، فليس من مصلحة ألمانيا عودة فرنسا إلى سابق عهد قوتها ومنافستها على قيادة أوروبا.إنّ الصعود السريع والمفاجئ للمرشح الوسطي إيمانويل ماكرون، قد يجد تفسيرًا ليس في صناديق الإقتراع، إنما في قدرة من يستطيع التحكم بخيارات الفرنسيين وتوجيه أصواتهم نحوه، عبر طرح رغباتهم في برنامجه الإنتخابي، الأمر الذي قد يوصله نحو المقعد الرئاسي قولًا لا فعلًا، ولن يكون ماكرون مجبرًا على تنفيذ وعوده، ولن يخسر سوى من رصيده وتأييده الشعبي على غرار من سبقوه في حكم فرنسا خلال الربع قرن الماضية، بدءًا من الرئيس شيراك وصولًا للرئيس هولاند.
إنّ خسارة فيون وميلانشون وهامون وغيرهم، ودعواتهم إلى مؤيديهم للتصويت لماكرون لا يعني فوزه وفق عملية جمعٍ حسابية للأصوات التي حصدوها مجتمعين، فالمواجهة في السابع من أيار القادم تخضع لحسابات أخرى… لكن ماكرون ومع إصدار وزارة الداخلية الفرنسية نتائج الفرز الأولية التي تؤكد فوزه وانتقاله للجولة الثانية، حاول أن يكون ذكيًا وسعى ببعض الكلمات إلى استقطاب وضمان انضمام جماهير المرشحين الخاسرين إلى صندوقه والتصويت له، عبر إطلاقه وعود تشكيله حكومة تضمن أوسع التمثيل الشعبي، وبما يسمح لكل الخاسرين من الديمقراطيين والجمهوريين والإشتراكيين وبعض الليبراليين بالإنضمام إلى مؤيديه، لضمان الفوز أمام زعيمة اليمن المتطرف ماري لوبان، وأطلقها معركةً لـ»الوطنيين» في وجه «القوميين»، الذين يرى مؤيدوه وحلفاؤه وداعموه وجيرانه الألمان أنّ في نجاح القوميين «كارثة».
فمن هم الوطنيون والقوميون الفرنسيون ؟ إذ يحتاج القارئ العربي التمييز بين هذين المصطلحين بما يوازيهما من إسقاط ومعنىً في حياتنا السياسية على مساحة الوطن العربي ودوله وشعوبه، فلطالما كانت فرنسا دولة إستعمارية، قامت عبر تاريخها باحتلال عديد الدول في قارتها وغير قارات، ودأبت على استقدام البشر تحت عناوين كثيرة، عبيد، جنود، خدم، عمال، أو سكان – سمهم كما تشاء-، ناهيك عن الهجرات الطبيعية أو عمليات التهجير التي وقفت وراءها فرنسا وشركاؤها في دول الاستعمار القديم والحديث والحالي، وحصلت على حصتها من مئات الألوف وربما الملايين من الوافدين (المواطنين) الجدد، من الآسيويين والأفارقة والشرق أوسطيين عربًا كانوا أم غير ذلك، ناهيك عن الهجرات غير الشرعية ومن عبروا حدودها ومكثوا فيها، ومن استحوذتهم عبر موجات اللجوء القديمة منها والحديثة.
إنّ حاجة فرنسا للجنود وللأيدي العاملة، ولمن يملؤون أريافها الفارغة، وللخبرات المجانية عبر الوافدين، دفعها لتجنيس ملايين البشر، وأصبحوا فرنسيين بحكم الإقامة والهوية الجديدة والإندماج في المجتمع الفرنسي، فهؤلاء ينظرون إلى وطنهم الجديد كوطنٍ يعيشون فيه، ويهتمون بسلامهم وأمنهم ورزقهم وربما رفاهيتهم، ولا تعنيهم الدولة الفرنسية من حيث الإرث التاريخي والبعد القومي، ولا تعنيهم هيبة فرنسا ولا سمعتها الدولية أو ترتيبها وتصنيفها بين الأمم، ولا تنهمر دموعهم لدى سماعهم السلام أو النشيد الوطني الفرنسي، على العكس تمامًا من أولئك الفرنسيين الحقييقين (الأصليين) الذين يُفاخرون ويتباهون ويعتزون بوطنهم وتاريخه وهيبته وسمعته وحاضره ومستقبله، ويستعدون لتقديم مصالح «فرنسا العظمى» على مصالحهم الشخصية، هذا التباين يفرض إيمان الوطنيين بفرنسا كمزرعة يعيشون فيها، لا ينتمون إليها في العمق، في حين أنّ القوميين يملكون إنتماءً قويًا يصل لدى البعض حد التعصب والتطرف.
هذا الفارق سمح بولادة مصطلح «الشعبوية» الدارج في فرنسا، والذي انتقل مع الأسف إلى الإعلام العربي ترجمةً لا فهمًا صحيحًا، فالشعب والمواطنة مختلفان شكلًا ومضمونًا عمّا يعنيه الأمر بالنسبة إلينا نحن العرب.
إنّ حساسية الظروف الدولية وخطورة المرحلة السياسية وسخونة العديد من الملفات، وإحتمالية حدوث ما يخشاه الفرنسيون والعالم كله من حروب عالمية، وتصاعد الهجمات الإرهابية، بالإضافة للدور السلبي – مزدوج المعايير الذي تلعبه فرنسا تجاه دعم التطرف والإرهابيين في سورية والشرق الأوسط، ومحاربتها التطرف في مالي وبعض الجغرافيا الأفريقية، يعكس تطرفًا فرنسيًا على مستوى «الوطنيين» والـ»القوميين» على حد سواء، و»الكارثة» التي يتحدثون عنها ستحصل دون شك مع غياب قيادات فرنسية وقامات رفيعة على غرار الملك لويس الرابع عشر والرئيس شارل ديغول.
فتطرف الوطنيين، يُسهم بإضعاف فرنسا أكثر فأكثر، على مستوى السياسة الخارجية التي يَعد بها ماكرون، وبخروجها من حلف الناتو، سيجعلها أضعف ما تكون لجهة حماية نفسها حتى داخليًا، بالتوازي مع انتشار التطرف والإرهاب والمخاطر الداخلية التي يتسبب بها نشاط بعض «الأئمة»، وحساسية موضوع الحجاب، والخلايا الإرهابية النائمة وعودة الإرهابيين الفرنسيين إليها من ساحات «الجهاد».. ناهيك عن مدى الرضا الأمريكي حول خروجها من حلف الناتو، مما سيعرضها إلى مخاطر إضافية في محيطها الحيوي الأوروبي وفي شرق المتوسط ويهدد مصالحها في أفريقيا وحول العالم.
أمّا تطرف «القوميين» فقد يجعلها أكثر قوة من الناحية النظرية، ويضعها أمام مواجهةٍ مباشرة مع روسيا الإتحادية وألمانيا، ودفعها إلى مقارعتهم في مجمل الصراعات والملفات الأوروبية والدولية، وفي تقاسم النفوذ والمحاصصات الكبرى، الأمر الذي سيفرض عليها فتح مروحة أعدائها يمنة ويسرة، وبما لا تحتمله فرنسا داخليًا وخارجيًا.
فما تَعد به مرشحة وزعيمة اليمين المتطرف من مواجهة مع التطرف والعولمة ومعارك الحفاظ على الهوية الفرنسية، وما ألمحت إليه من استرداد الوظائف العامة والهامة ووضعها بعهدة القوميين فقط، ناهيك عن حديثها عن خروج فرنسا من الإتحاد الأوروبي، ومواقفها من الحرب على الدولة السورية، ومواقفها من التنظيمات الإرهابية، بالقياس إلى عداء فريقها اليميني لـ»الإسلام السياسي»، والذي قد يدفعها لسلوكٍ عدائي مضاعف.
يبدو أنّ فرنسا لا تزال عالقة في مستنقعٍ عميق، لا يمكن لها أن تكتفي برغبات وتصريحات ووعود كلامية، للنهوض من جديد، ويبدو أنه من الأفضل لهال أن تبقى مستسلمة لرغبات من يتحكمون ويؤثرون في وضعها وتموضعها الدولي، وأن تحافظ على قدرٍ من القناعة بما يقدمونه لها ويضعونه في سلتها، لحين أنّ تمتلك مفاتيح نهضتها وعودتها مجددًا، بعد أن تُنجب الأقوياء وعلى خطى «العظماء» ممن مروا في تاريخها، ويستطيعون إيصالها إلى حيث تنظر وتصبو، وبات من الواضح أنّ فرنسا تنتخب رئيسًا ولا تنتخب قائدًا.
هنيئًا لمن سيفوز.. يبدو أنّ الرحمة تجوز على الدولة الفرنسية للأعوام القادمة.. ولن يُفاجأ العالم بتكرار مسلسل صعود ترامب في أمريكا، وفوزه المفاجئ – الصادم للكثيرين، كذلك قد يأتي فوز إيمانويل ماكرون، الذي جمع سهامه وسهام فيون وهامون وآخرين قبل أن يمتلك القوس، ولربما يكون فوزه محسوبًا و جزءًا من الخطة B ومن خديعة اللعبة الديمقراطية لمن يتحكّمون!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى