ثقافية

أبطال الرواية الحقيقيون: مشهورون مغمورون

4541

إبراهيم البهرزي

كتاب المؤرخ الأدبي الفرنسي باتريك بينو المعنون أعلاه يستقصي توثيقياً اصول الشخصيات الحقيقية التي حوّلها روائيون كبار الى شخوص روائية دون إسباغ صفة الإنتحال. يقول الإعلامي والباحث الفرنسي بيير بيلمار الذي قدّم للكتاب (ان الروائي يسعى بأسلوبه الخاص الى وضع قارئه في صلب الشخصيات التي بعث الحياة في شخوصها عبر رواية، إنها معجزة الكتابة التي يبدعها الروائي ، أمّا الصحفي فيسرد الوقائع ويصف المشاعر التي تدفع انساناً ما الى إرتكاب فعل يخرجه من غياهب حياته الخاصة). هذه المقدمة توجز كثيراً وتغني عن الجدل العقيم حول الإنتحال ومعجزة الكتابة.
يمضي مؤلف الكتاب في استقصاء توثيقي عن الأبطال الحقيقيين الذين نسجت حولهم الروايات الكثيرة كجوليان سوريل بطل رواية (الأحمر والأسود) لستاندال، و(كونت دي مونت كريستو) لالكسندر ديما الاب، وبطلة رواية (ًمدام بوفاري) رواية فلوبير الشهيرة، وروايات كثيرة اخرى بعضها مشهور والبعض الآخر مغمور. ويخلص الى ان رواية (الكونت دي مونت كريستو) هي مذكرات مأخوذة من وثائق شرطة باريس منذ القرن الرابع عشر، جمعها محام اسمه جاك بوشيه كان إنخرط في سلك الشرطة وأُبعد عنها بعد الثورة الفرنسية لميوله الملكية، ثم اُعيد اليها بعد ذلك ليعمل في وحدة شؤون الوثائق. حينها كان الكسندر ديما الاب يبحث عن موضوع رواية ينشرها في الصحف لسداد ديونه، وحين قرأ مذكرات المحامي بوشيه التي جمعها من وثائق الشرطة، قدم لناشره ملخصاً من عشرين صفحة كان إستقاها من مذكرات بوشيه، ومن هنا بدأت رواية الكونت دي مونت كريستو. كانت بنية الرواية الاساسية هي التقارير والوشايات التي كان يكتبها عملاء الشرطة والتي جمعها فوشيه ونشرها في مذكراته المذكورة آنفاً والتي جمع فيها محاضر الشرطة حول سلسلة جرائم وقعت في القرن الرابع عشر.
سرد ديماس قصة حقيقية مستقاة منها غير انه إستبدل اسماء الشخوص وعناوين الأمكنة، ومن ثم ليأتي مؤرخ سلالات هو هنري جيل لينشر في عام ١٩٧٦ القصة الحقيقية للشخص الحقيقي الذي إستند اليه ديماس في وضع روايته الشهيرة إعتماداً على مذكرات بوشيه من دون إتهام بالإنتحال.
رواية (الأحمر والأسود) التي نشرها ستاندال في عام ١٨٣١ هي الأخرى وقائع حياة جوليان سوريل التي تسلّها من حادثة وقعت قبل أربع سنوات من صدور الرواية وانفردت صحيفة المحاكم الفرنسية الرسمية بنشرها. كان ستاندال قد استبدل الاسم الحقيقي لبطل الواقعة المدعو انطوان بيرنيه باسم جوليان سوريل، اما السيدة دورينتال كما وردت في الرواية فكان اسمها الحقيقي هنرييت دوكوردين، وكان بيرنيه قد وصف خلال المحاكمة المنشورة كل الحكاية التي تسلّمها ستاندال الذي اعاد سردها مستندا لمسار التحقيق في المحاكمة التي جرت وصولا لإعدام بيرنيه من دون تغيير سوى تلك (الروح) التي ألبستها إياها عبقرية ستاندال على الأحداث من خلال اسماء جديدة.وعن سلسلة روايات اريس لوبان الشهيرة للكاتب موريس لوبلان، يكشف الكاتب عن حقيقة شخصية لوبان الذي ولد لاب طائش انفصلت عنه زوجته هنرييت واخذت ابنها لوبان معها لتعيش مع ابن عم لها في باريس، هو دوق دوسورير الذي افرد لهما غرفة صغيرة في الطابق المعد للخدم. وحيث لم يتحمل الطفل ارسين الإهانات التي تتعرض لها أمه فإنه يقوم وهو في السادسة من عمره بسرقة طوق ملكي صنع من اجل ماري انطوانيت كان الدوق يروم تقديمه لها، وفيما بعد صار هذا الجنتلمان الحرامي يدون كل سرقاته الطريفة في كتاب وجد لديه يوم القي القبض عليه بعد سلسلة سرقاته، وكان على لوبلان كما يقول (ان يجعل من ارسين لوبان شخصية مزدوجة، لص وشاب ظريف).
نشرت اولى مغامرات ارسين لوبان في عام ١٩٠٥، وقبل ذلك التاريخ كانت قد جرت محاكمة عصابة رهيبة مؤلفة من ثلاثة وعشرين رجلاً وغمراة أمام محكمة جنايات منطقة لاسوم كانت قد ارتكبت اكثر من مئة وخمسين عملية سرقة بمبالغ تتجاوز خمسة ملايين فرنك ذهبي واطلق على هذه العصابة تسمية (عمال الليل)، وكان قائدها جنتلمانا مهذبا كان كلما دخل وخرج من المحكمة يرفع يديه المكبلتين بالأغلال صارخاً بصوت قوي (تحيا الفوضوية)، وسط تصفيق الجماهير المحتشدة. كان هذا الفوضوي يدعى مارلوس جاكوب الذي يسرد مؤلف هذا الكتاب سيرته الطريفة من خلال إعترافاته التي اعتمدها فيما بعد موريس لوبلان واضفاها على شخصية ارسين لوبان لينتج سلسلة من خمس وخمسين رواية. تلك الشخصية الفوضوية التي اختلطت بالفوضويين الاسبان الذين كانوا يقاومون في قوات الحنرال فرانكو المتمردة والذي انتهى به المطاف بائعا متجولا لسرقاته القديمة، والذي ظل حين بلوغه الحادية والسبعين وحيدا مع كلبه الذي لم يلبث ان يزرقه بجرعة مورفين قوية، ثم يزرق نفسه بعدها لينتحر مع كلبه عام ١٩٥٤، وليترك لموريس لوبلان ان يتصرف بمذكراته دون المطالبة بحقوق!
ثم يتناول المؤلف رواية فرانسوا مورياك (تيريز ديكيرو)، وهي التي استمد وقائعها بكل تفاصيلها المعروفة حين حضر وهو في العشرين من عمره وقائع محاكمة بطلتها الحقيقية في محكمةً جنايات بوردو في عام ١٩٠٦، ويتناول مؤلف هذا الكتابة تفاصيل الرواية ووقائع المحاكمة فلا يجد غير اختلافا بالأسماء و(روح) الروائي طبعاً!
اما عن رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري) فيذكر مؤلف هذا الكتاب انه كان قد نشر في الصحف خبراً عن إمرأة إنتحرت بسبب خيانة زوجها، كان فلوبير حينها يعرف الزوج اوجين دولامار موظف الصحة الذي كان تلميذا عند والده في كلية الطب في مدينة روان. وكان فلوبير نفسه قد احب سيدةً متزوجة، وقبلها كان ارتبط بعشيقة تخون زوجها اسمها لويز كوليه، فربط بين شخصية الزوجة المنتحرة دلفين دولامار وبين العشيقة لويز كوليه وانتج منهما معاً (مدام بوفاري) مستندا الى معرفته الشخصية بعائلة دولامار وعشيقته كوليه لينتج تلك الرواية الحقيقية الباهرة.
ويتناول المؤلف ايضا شخصية حقيقية تدعى فيدوك استخدمها بلزاك في روايته (فوتران) ضمن سلسلته الروائية الكوميديا الانسانية، فيدوك ذلك السجين الهارب الذي ينتحل شخصيات مختلفة بين شرطي ورجل دين ثم ليغدو رئيسا لجهاز الامن، وكان بلزاك قد تعرف عليه شخصيا ليطلقه عبر روايته تحت اسم (فوتران) ويسرد مؤلف هذا الكتاب قصة فيدوك الحقيقي التي اطلع عليها بلزاك وكذلك قصة فوتران في الكوميديا الانسانية، معتمدا على مذكرات فيدوك التي اصدرها بعد شيخوخته في عام ١٨٢٨، فلا يجد المؤلف كبير فرق بين شخصية فيدوك وشخصية فوتران غير (الروح) الادبية لبلزاك، والتي تبطل عند الفرنسيين (طبعا وليس عند العراقيين!) شبهة الانتحال.
ويعرج المؤلف ايضاً على رواية روبنسون كروزو لدانيال ديفو والذي يخلص الى انه استقاها عن رحلة حقيقية نشرها بحار اسمه الكابتن روجرز، وروى فيها قصة رجل اسمه الكسندر سيليكريك، كان قد وجده يعيش منفردا لسنوات عديدة في احدى جزر المحيط الهادي المقفرة (لم يشر مؤلف هذا الكتاب الى رواية ابن طفيل الموسومة حي بن يقظان اذ يبدو ان الكابتن روجرز قد اطلع على ترجمة لها او ان تشابه الحكايتين محض صدفة ولا املك ما يرجح ايا من الرأيين).
ثم يتناول عدة روايات اخرى بعضها غير مشهور عند القارئ العربي مثل رواية (كولومبا) لبروسبير ميريميه ويستقصي اصولها الحقيقية، ورواية (نانا) لاميل زولا. ومن الروايات المشهورة يؤصل المؤلف للمصادر الحقيقية لمسرحية (دون جوان) لموليير، وراية الكسندر ديما الابن (غادة الكاميليا)، ومسرحية غوته الشهيرة (فاوست) التي استلهمها من حياة احد السحرة الذين عاشوا في مدة عصر النهضة واسمه الحقيقي هو جورج سيبيليكوس، الذي كان غوته قد استمد مصادر معلوماته عنه من سجلات جامعة هايدلبرغ وسجلات مدرسة اينغولشتات، حيث كان يشغل هذا الساحر فيهما منصب مدير الدراسات وطرد منهما بسبب اخلاقه الفاسدة (حيث كان فاسقا وشريرا ولواطيا وكذابا) كما تقول السجلات.
هذا الكتاب والذي اسهبت في استعراضه لاسباب معروفة، يتناول الرواية الفرنسية فقط، ولو قام مؤرخون ادبيون في لغات وثقافات اخرى للبحث في ذات الموضوع لوجدوا مثلما وجد هذا الباحث، والغريب انه لم يذكر مفردة (انتحال)، أ لأنه غير عربي ام غير عراقي؟ ام نترك الأمر للمصادفة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى