عملية الخليل.. حدود القوة الإسرائيلية ومآلات المواجهة

بقلم: شرحبيل الغريب..
لم تكن عملية الخليل التي وقعت قبيل الانتخابات الإسرائيلية بأيام قليلة مجرّد حدث أمني عابر، بل أعادت طرح أسئلة جوهرية بشأن حدود القوة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية وقدرتها على منع العمليات الفدائية المسلحة في الضفة الغربية المحتلة، فرغمَ الاقتحامات المتواصلة، وتشديد الإجراءات العسكرية، واتساع نطاق الملاحقات والاعتقالات، لا تزال المواجهة مفتوحة، بما يكشف عن حدود الفجوة بين القدرة على فرض السيطرة الميدانية والقدرة على تحقيق استقرار أمني دائم.
وتكتسب العملية أهميتها من توقيتها وسياقها، في ظلّ تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وأرضهم وممتلكاتهم في الضفة الغربية، بالتوازي مع تهديدات بتوسيع العمليات العسكرية.
ومن هنا، لا يتعلّق السؤال بما أحدثته هذه العملية من تداعيات أمنية فحسب، بل بما تكشفه عن مأزق المقاربة الإسرائيلية، وعن مستقبل المواجهة في الضفة الغربية، في ظلّ استمرار الاحتلال وسياساته الرامية إلى فرض وقائع جديدة بالقوة والحسم والسيطرة.
لا يمكن قراءة عملية الخليل الفدائية بمعزل عن واقع المدينة ومحيطها، حيث تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، وتتداخل العمليات العسكرية مع ممارسات المستوطنين التي تستهدف الأرض والممتلكات ومصادر الرزق.
ففي 24 أيلول الماضي، هُدمت منازل ومنشآت في منطقة جنبة، ما أدّى إلى تشريد ثماني عائلات تضم 55 فلسطينياً، بينهم 32 طفلاً، اضطرّ بعضهم إلى الاحتماء بالكهوف.
وفي الـ12 والـ13 من تشرين الأول الجاري، تعرّض أطفال ومركباتهم لاعتداءات بالحجارة والعصي أثناء توجّههم إلى مدارسهم، فيما هاجم مستوطنون قرية ماعين في الـ17 من الشهر نفسه، وأصابوا ثلاثة فلسطينيين، أحدهم بالرصاص الحيّ، وسرقوا 380 رأساً من الأغنام، وكذلك في الـ19 من تشرين الأول، تعرّض مزارعون للاعتداء أثناء قطف الزيتون، واعتقلت القوات الإسرائيلية اثنين منهم.
كما لا تنفصل هذه الوقائع عن القيود المفروضة على الفلسطينيين في الحرم الإبراهيمي الشريف، واستمرار الإجراءات المرتبطة بالتقسيم الزماني والمكاني فيه.
تكشف هذه الوقائع أنّ المشهد في الخليل لا يقتصر على مواجهة أمنية، بل يرتبط بصراع أوسع على الأرض والوجود والحقوق الفلسطينية، فبين هدم المنازل، والاعتداء على المزارعين، وتقييد الوصول إلى المقدّسات، يعيش الفلسطينيون واقعاً تتجاوز فيه الضغوط الإسرائيلية حدود العمليات العسكرية إلى التأثير في تفاصيل الحياة اليومية وإمكانيات البقاء في الأرض، في ظلّ التهديد الإسرائيلي المستمر بالتهجير.
يثير التلويح الإسرائيلي، الذي جاء على لسان نتنياهو وكاتس، بعملية واسعة في الضفة مخاوف من توسيع نطاق الاقتحامات والحصار والاعتقالات وتدمير المنازل والبنية التحتية، على غرار أنماط شهدتها مخيمات شمال الضفة الغربية، كما يعيد إلى الواجهة تجربة عملية السور الواقي عام 2002، التي نفّذها شارون، بوصفها سابقة تأريخية لحملة عسكرية واسعة، وتكمُنُ الخطورة في احتمال تحوّل التصعيد من عملية عسكرية محدودة إلى مسار عملية عسكرية واسعة تعيد تشكيل الواقع الميداني، وتزيد الضغوط على الشعب الفلسطيني، وتفاقم مخاطر التهجير القسري التي يتوعّد بها سموتريتش وبن غفير أهالي الضفة الغربية صباحَ مساءَ.
ثمّة سؤال مهم يطرح نفسه في هذا السياق// هل الضفة الغربية مقبلة على مواجهة كبيرة؟ أعتقد أنه قبل الإجابة عن مثل هذا السؤال، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مستقبل المواجهة يتوقّف على تفاعل عدة عوامل، في مقدّمتها طبيعة الردّ الإسرائيلي المرتقب، في ضوء حجم التهديدات الكبيرة، ومدى اتساع العمليات الفدائية المسلحة أو تكرارها خلال الفترة المقبلة، واستمرار اعتداءات المستوطنين على الأرض، واتجاه نتنياهو وحكومته، أو الحكومة المقبلة، وقرارها بشأن توسيع عملياتها العسكرية أو الاكتفاء بإجراءات محدودة.
ويمكن تصوّر ثلاثة مسارات رئيسة للوضع الأمني في الضفة الغربية بعد عملية الخليل//
المسار الأول: حدوث تصعيد عسكري واسع يستهدف مناطق متعدّدة في الضفة الغربية، وليس الخليل وحدها.
المسار الثاني: تشديد أمني تدريجي للإجراءات الأمنية والعمليات في بؤر محدّدة، وفقاً لمعطيات أمنية في مدينة الخليل.
المسار الثالث: اتساع المواجهة بصورة متراكمة بفعل تفاعل العمليات العسكرية والاعتداءات الميدانية للمستوطنين، وتراجع فرص أيّ احتواء سياسي للمشهد.
وتظلّ المقارنة والمقاربة الإسرائيلية في استحضار نموذج عملية السور الواقي حاضرتين في الوعي الفلسطيني لفهم مخاطر النيّات الإسرائيلية تُجاه مدن الضفة الغربية، والأطماع المتزايدة في هذا الاتجاه، وقد عبّر عنها بن غفير أكثر من مرّة.
إذاً، القوة لا تحسم صراعاً على الأرض، إذ لا تكمُنُ الأهمية الاستراتيجية لعملية الخليل في حدود أثرها الأمني المباشر فحسب، بل فيما تعكسه من صعوبة تحويل التفوّق العسكري الإسرائيلي إلى حسم نهائي للصراع مع الشعب الفلسطيني.
“إسرائيل”، التي تمتلك القوة ومنظومة أمنية وعسكرية متكاملة، تستطيع فرض وقائع ميدانية وتنفيذ مخططاتها بحقّ الفلسطينيين، لكنها لا تستطيع ضمان أمن واستقرار دائمين.
العمليات الفدائية والمقاومة لا تحدث إلّا ردّاً على سياسات الاحتلال بحقّ شعب مهدّد في كلّ شيء، وهو على أرضه، وفي سياق تتعرّض فيه الأرض الفلسطينية للسرقة والتهويد، ويواجه فيه الفلسطينيون تهديدات متزايدة لحقوقهم ووجودهم ومستقبلهم وأرضهم ومقدّساتهم.



