اراء

تدحرج الكرة البارودية.. الحرب الايرانية البداية

بقلم: نسيمة عبد الرحمن..


‎تهبّ العاصفة، لكنّها ليست عاصفة ثلجية، بل عاصفة حربية. منذ السابع من أكتوبر، ومع اندلاع الحرب على إيران، تدهور الوضع في الشرق الأوسط، ولم تهدأ الكرة البارودية التي تنسف كل ما تصادفه في طريقها.
‎الماكنة الصهيوأمريكية تغذّي هذه الكرة وتنمّيها، لتواصل تدحرجها نحو دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى. فمنذ السابع من أكتوبر، خلّفت المجازر والاعتداءات التي طالت غزة والمناطق الأخرى من الأراضي الفلسطينية عددًا من الضحايا، ربما يصعب حتى إحصاؤهم، في ظل تواطؤ أطراف من بني أمتنا. أطفال أبرياء يُزفّون إلى مثواهم الأخير، ملفوفين بقطعة من القماش الأبيض، قبل أن يعرفوا معنى الحياة وما يدور حولهم. إن القضاء على جيل جديد لم يكن عبثيًا، بل مخطّطًا وممنهجًا، ومغزاه دفن قضية عادلة وطمر حقّ وراءه مطالب لا يكلّ ولا يملّ. ورغم المعاناة التي تدفع بالمرء، في بعض الأحيان، إلى اليأس، تظل القضية الفلسطينية أمّ القضايا؛ ومن يرفض أن تُدفن أو تُنسى، يعبّر من خلالها عن رفض كل استبداد واستغلال للشعوب العربية.
‎الحرب على إيران لم يكن المقصود منها الشعب الايراني وحده، باعتباره عنصرًا فعّالًا وقويًا يعيق المشروع الصهيوني؛ إن القضاء عليه يمهّد الطريق للتمكّن من الدول الأخرى، التي يُعتبر النيل منها تحصيل حاصل. إلا أن حضارة السبعة آلاف سنة تعرف من أين تقرص عدوّها فيصرخ ألمًا. ورغم الاعتداءات والتهديدات، لم تستسلم إيران ولم تقايض على حريتها، بل عرفت كيف تدخل حلبة المبارزة وهي متيقّنة من استراتيجيتها الدفاعية. مضيق هرمز وضعها في وضعية استراحة، وأنا متأكدة أن الحرس الثوري القائم على حمايته لم ينسَ أن يقتني شمسيته، وهو مسترخٍ على ضفاف المضيق، مرتشفًا عصيره المفضّل، الرمان، المعروف بمضادات الأكسدة ومقاومة القلق!
‎شعوبنا تموت من الجوع وتُقتل بالرصاص، فهل ستقاوم شعوب الضفة الأخرى البرد القارس الذي ينتظرها والجوع؟ إن نقص النفط دليل على مدى اعتماد هذه الحكومات على مصادر الطاقة، وعلى هشاشة أنظمتها أمام أزمات الإمدادات، بعدما وفّرت لشعوبها الرفاهية التي اعتادت عليها، على حساب الشعوب الضعيفة والمستغلّة، لنقس الصبر والنفس الطويل إذن.
‎فالهرولة نحو مزيد من تشتيت الشعوب يتفوّق فيه الكيان الصهيوأمريكي، بتواطؤ وتمويل من بني أمتنا. ما يجري في السودان من ويلات، وما آل إليه الوضع من اقتتال وتناحر بين أبنائه، أدّيا إلى إفقار بلد يزخر بأغنى الثروات. جشع لا يعرف الحدود، وعابر لكل الأزمنة. ما يتعرّض له الشعب السوداني اليوم من تهجير يعد وصمة عار يخجل حتى التاريخ من كتابته. يا للعار على أمة وقعت في مستنقع الفتن، وأخذت تتآكل فيما بينها لإرضاء جلادها وهي مستمتعة بذلك!
‎أين هذه الأمة التي تتعزّز كل يوم بترسانة من مختلف الأسلحة؟ لم نرَها تواجه العدو، بل نراها مصوّبة إلى الداخل. حين أُعلن خبر تأسيس حلف يُسمّى حلف مكة، انتعشت الشعوب العربية، ظنًّا منها أنه سيشكّل جبهة في وجه العدو الصهيوني، لاسترجاع كل الأراضي الفلسطينية وجنوب لبنان. لكن الخيبة كانت كبيرة عندما تبيّن لها أن من مهام هذا الحلف مواجهة اليمن وشعبه.
‎اليمن الذي يعيش المؤامرة منذ سنوات لن يستسلم، لأنه هو الآخر عرف كيف يستغل ورقة ضغط اقتصادية تتمثّل في باب المندب، الذي لا يقل أهمية عن مضيق هرمز. وهنا يأتي الاستنجاد بصديق عرفه التاريخ بالقومية العربية والانتصارات التي جعلت منه مصدر فخر واعتزاز لأجيال تدرس ماضيه في كتب التاريخ: مصر الفرعونية. لا يمكن لمصر أن تلوّث المجد الذي ترتديه، وتنخرط في أكذوبة العصر التي ستؤدي حتمًا إلى إضعافها، خدمةً لمخطط صهيوني تتجه أنظاره إلى البحر الأحمر، وربما سعيًا إلى الثأر لهزيمة حرب أكتوبر 1973، كما رُسم منذ عقود. إن زجّ مصر في حرب في اليمن مقابل بعض الدولارات ليس إلا طُعمًا قد يصدّقه من لا تاريخ نضالي له.
‎المشهد نفسه يتكرر في سوريا، التي تتعرّض لاعتداءات شبه يومية، حتى اعتدنا المشهد من دون أي تفاعل. أما لبنان، فرغم التنازلات التي قدّمها، وذهابه إلى مفاوضات مع العدو الأبدي وهو في موقف مكشوف، لم يسلم من شرّ يلاحقه، والذي على الأرجح سيستمر طويلًا. إلا إذا…!
‎أصبح العالم العربي في غيبوبة، وأصبحنا نتساءل عن حال حكّامه وقراراتهم. وفي انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع، تبقى المقاومة وسيلة لتحقيق النصر؛ فلا سيادة من دون تضحية، ولا كرامة من دون صبر
.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى