اراء

خارج حسابات المقاعد.. هل يستطيع الصوت العربي فرض شرعيته على الحكم الاسرائيلي؟

بقلم: د. هاني الروسان..


مع اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين في 27 أكتوبر 2026، لا تنحصر أهمية الصوت العربي في احتمال ترجيح كفة أحد المعسكرين المتنافسين على تشكيل الحكومة، بل في مفارقة سياسية تكشف عن حدود نظام سياسي يقوم على التمييز القومي، حيث يضع حدوداً لمشاركة المواطنين العرب في تقرير السلطة، والا كيف يمكن لأصوات المواطنين العرب أن تكون ضرورية حسابياً لتشكيل الحكم، فيما يظل التعاون مع ممثليهم موضع رفض لدى قوى سياسية قد تحتاج إليهم لتأمين أغلبيتها؟
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة الان وفي ظل استطلاعات تتوقع حصول القوائم العربية على ما بين 12 و15 مقعداً، بما قد يجعلها عاملاً حاسماً في تحديد مصير الحكومة المقبلة. وقد أعادت هذه الانتخابات طرح المعضلة التي ظهرت بوضوح في تجارب سابقة، وبلغت إحدى محطاتها البارزة عام 2021، عندما شاركت القائمة العربية الموحدة في الائتلاف الحكومي الذي أطاح ببنيامين نتنياهو مؤقتاً. غير أن التجربة أثبتت أن القدرة على المشاركة في تشكيل الحكومة لا تعني بالضرورة انتزاع اعتراف سياسي متكافئ، كما أن الحاجة إلى الأصوات العربية لا تضمن استعداد القوى اليهودية للتعامل معها بوصفها شريكاً مشروعاً في الحكم.
وهنا تكمن المسألة التي تتجاوز حسابات المقاعد، اذ ليست المشكلة أن الصوت العربي لا يمتلك وزناً انتخابياً كافياً، بل في تحويل هذا الوزن إلى نفوذ سياسي مستدام يردم بفجوة بين الضرورة العددية والقبول السياسي له. وقد تجلّت هذه الفجوة مجدداً في محاولات استبعاد القوائم العربية من الانتخابات، قبل أن تلغي المحكمة العليا الإسرائيلية قرارات استبعاد القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة في الثاني من أكتوبر الجاري. فالمنظومة التي تتيح للمواطن العربي التصويت لا تزال تشهد صراعاً على حدود التمثيل الذي يُسمح له بممارسته، وعلى مدى استعداد الأحزاب اليهودية للاعتراف بنتائج هذا التمثيل خاصة حين تتعارض مع حساباتها الائتلافية.
والحقيقة ان هذه المفارقة لا يمكن ان تتحول تلقائياً إلى قوة تفاوضية، فقد بيت التجارب ان امتلاك الأحزاب العربية لعدد من المقاعد قد يمنحها القدرة على منع تشكيل حكومة أو ترجيح كفتها، لكنه لا يكفي وحده لفرض شروطها، كذلك فانها حقيقة ان تنتهي الانتخابات إلى انسداد سياسي إذا تمسكت القوى المتنافسة برفض التعاون معها، أو قد تستخدم إحدى هذه القوى أصواتها عند الضرورة ثم تعود إلى تهميشها بعد تجاوز أزمة تشكيل الحكومة، ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي ليس في أن يصبح الصوت العربي ضرورياً مرة واحدة، بل في قدرته على جعل هذه الضرورة أساساً لعلاقة سياسية لا تنتهي بانتهاء المساومة البرلمانية.
وهذا يقتضي من الاحزاب العربية الانتقال من التنافس على حجم التمثيل إلى بناء استراتيجية تفاوضية مشتركة، من دون أن يعني ذلك تجاهل الاختلافات السياسية بين القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة ومكوناتها. فالتوافق المطلوب ليس اندماجاً أيديولوجياً ولا إلغاءً للتعددية، بل اتفاق على حد أدنى من المطالب الملزمة، وعلى قواعد واضحة لتوظيف القوة البرلمانية، وفي مقدمة هذه المطالب مكافحة الجريمة المنظمة، وتوفير الموارد اللازمة للسلطات المحلية العربية، ومعالجة أزمة السكن والتخطيط، ووقف سياسات الهدم والمصادرة، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب.
والواقع فان اهمية هذه الملفات لا تكمن في بعدها الخدمي وحده، بل في اتصالها المباشر بأمن المجتمع العربي وحقوقه وقدرته على البقاء والتطور.
ومن هنا يمكن الاستفادة من تجربة الأحزاب الحريدية، لا عبر استنساخها لاستحالة ذلك، بل عبر فهم آلية تحويل الوزن البرلماني إلى مكاسب قابلة للقياس. فهذه الأحزاب تفاوض على مصالح محددة، وتربط مشاركتها أو دعمها للحكومة بميزانيات وترتيبات تخدم جمهورها. لكن الفارق أن الأحزاب العربية تواجه، إلى جانب التفاوض على المصالح، نزاعاً حول شرعية تمثيلها ومكانتها في الدولة. ولذلك لا يكفي أن تحصل على ميزانيات إضافية أو قرارات حكومية، بل ينبغي أن تقترن هذه المكاسب بضمانات تنفيذية ورقابة على تطبيقها، وألا تتحول إلى أثمان تدفعها مقابل الصمت عن قضايا الحقوق والمساواة والتمييز البنيوي.
إن الرهان، إذاً، ليس على أن يصبح العرب شركاء في أي حكومة بأي ثمن، ولا على الاكتفاء بإسقاط حكومة من دون امتلاك تصور لما ينبغي أن يليها، بل الرهان هو القدرة على بناء آلية سياسية تجعل تجاهل المطالب العربية مكلفاً، وتجعل التفاوض معها ضرورة تتجاوز لحظة تشكيل الائتلاف. وهذا يتطلب وضوحاً في الشروط، وتنسيقاً في المواقف، واستعداداً لعدم منح أي معسكر دعماً مجانياً، مع التمييز بين دعم حكومة، وإسنادها من الخارج، والامتناع عن إسقاطها، وفق ما تتيحه كل حالة وما يمكن انتزاعه فيها من ضمانات فعلية، فارتفاع نسبة التصويت العربي في 27 أكتوبر قد يغيّر موازين المنافسة، لكنه لن يعيد وحده صياغة العلاقة بين المواطنين العرب والدولة الإسرائيلية. فالصندوق يمنح التمثيل وزنه الأول، أما تحويله إلى قوة سياسية مستدامة فيتطلب استراتيجية تتعامل مع المقاعد باعتبارها وسيلة لانتزاع الحقوق، لا غاية تنتهي عند إعلان النتائج. وعندها فقط يمكن أن يتحول السؤال من مدى حاجة الحكم إلى الصوت العربي، إلى مدى قدرته على الاستمرار في إنكار الحقوق السياسية والمدنية لجمهور أصبح صوته قادراً على التأثير في مصيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى