اراء

الانتخابات الإسرائيلية.. ما الذي ينبغي أن يراهن عليه الفلسطينيون؟

بقلم: حسن لافي..


لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الـ27 من تشرين الأول مجرد منافسة على هوية رئيس الحكومة المقبل، أو استفتاء على بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة. فخلف الصراع بين معسكره ومعسكر معارضيه، يبرز سؤال أكثر أهمية للفلسطينيين: هل تحمل هذه الانتخابات احتمالًا لتغيير الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية، وملحقاتها مثل إقامة الدولة ومصير غزة والحرب عليها، وماذا سيكون التعامل الإسرائيلي مع الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية؟
الدولة الفلسطينية.. أين تقف حدود التغيير؟
تكشف مواقف القوى الإسرائيلية الرئيسية أن رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة ليس موقفًا خاصًا ببنيامين نتنياهو وحده.
فنتنياهو يرفض قيام دولة فلسطينية، ويجعل منعها جزءًا من سياسته المعلنة. لكن نفتالي بينيت، الذي يخوض الانتخابات في تحالف مع يائير لابيد، يرفض بدوره إقامة دولة فلسطينية والتنازل عن أراضٍ لتحقيقها. ولا يبدو أن وصوله إلى رئاسة الحكومة سيعني، في حد ذاته، انتقالًا إلى قبول حل الدولتين.
أما غادي آيزنكوت، الذي يقدم نفسه منافسًا رئيسيًا لنتنياهو، فقد وصف فكرة الدولة الفلسطينية بأنها غير واقعية في المرحلة الراهنة، ولم يطرح برنامجًا يلتزم بإقامتها. وتظهر مواقفه من الاستيطان والضم بعض الاختلاف عن سياسات اليمين الأكثر تطرفًا، مثل أفق سياسي لمسار يؤدي لدولة فلسطينية، لكن ذلك لا يعني قبول حق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة.
ويبرز حزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان بوصفه الأكثر استعدادًا بين هذه القوى لطرح أفق سياسي يقوم على “الانفصال المسؤول” عن الفلسطينيين وإمكان قيام دولة مستقبلية. غير أن هذا الطرح نفسه يضع قيودًا واسعة على السيادة الفلسطينية، تشمل نزع السلاح والاحتفاظ بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية على مناطق استراتيجية.
أما أفيغدور ليبرمان، فلا يكتفي برفض الدولة الفلسطينية، بل يطرح تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو، وفصل غزة عن الضفة، وفرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة Cمع صيغة إسرائيلية-أردنية لإدارة أجزاء أخرى من الضفة.
هذه المواقف، الفارق بينها أكبر في شكل الترتيبات المقترحة منه في مدى استعداد معظم هذه القوى للاعتراف بدولة فلسطينية كاملة السيادة.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين رفض الضم الكامل للضفة الغربية وقبول إنهاء الاحتلال. فقد يعارض حزب ضم الأرض رسميًا خشية تداعياته الديموغرافية والسياسية، لكنه يرفض في الوقت نفسه إقامة دولة فلسطينية، ويؤيد استمرار السيطرة الإسرائيلية على الحدود والأمن والمناطق الحيوية. وهذا لا يمثل حلًا للقضية، بل صيغة مختلفة لإدارة واقع الاحتلال.
الضفة الغربية.. اختلاف على الضم لا على الحقوق
تظهر الفروق بين الأحزاب بوضوح أكبر عند الانتقال من شعار الدولة الفلسطينية إلى السياسات المتعلقة بالضفة الغربية والاستيطان.
فمشروع ليبرمان يطرح سيادة إسرائيلية على المنطقةC، التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة، مع نقل مسؤوليات مدنية وأمنية في أجزاء أخرى إلى الأردن. وهذه الصيغة لا تؤدي إلى دولة فلسطينية، بل تشطب حق الشعب الفلسطيني بأن تكون له دولته المستقلة.
أما آيزنكوت، فقد انتقد مشروع الاستيطان في منطقة E1 لما يهدد به من تقطيع التواصل الجغرافي الفلسطيني، الأمر الذي يثير حفيظة العالم وخاصة الأوروبيين٠ كما عارض بعض أشكال الضم وعنف المستوطنين. لكن هذه المواقف لا تعني أنه يؤيد الانسحاب من المستوطنات أو إقامة دولة فلسطينية؛ إذ إن رفض إجراء استيطاني بعينه لا يساوي رفض المنظومة الاستيطانية أو الالتزام بتفكيكها.
وبينيت، من جهته، يرفض التنازل عن الأراضي لإقامة دولة فلسطينية، فيما يطرح غولان «الانفصال المسؤول» ووقف الضم، مع الإبقاء على قيود أمنية إسرائيلية واسعة.
السلطة الفلسطينية.. شريك أم عقبة ينبغي التخلص منها؟
لا يقل الخلاف بشأن السلطة الفلسطينية أهمية عن الخلاف بشأن الدولة. فالسلطة ليست مجرد مؤسسة إدارية؛ إن مستقبلها يرتبط بطبيعة العلاقة بين غزة والضفة، وبإمكان وجود قيادة فلسطينية موحدة، وبالمسار الذي قد يقود إلى تقرير المصير.
في هذا الملف، تتباين المشاريع الإسرائيلية بصورة واضحة. فخطة ليبرمان تدعو صراحة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو. وفي المقابل، يطرح حزب الديمقراطيين دعم استقرار السلطة وتعزيز التنسيق الأمني معها، بوصفها جهة يمكن أن تؤدي دورًا في إدارة المناطق الفلسطينية ومواجهة التنظيمات المسلحة.
لكن هذا الاختلاف لا يكفي وحده لتصنيف أحد الموقفين باعتباره حلًا للقضية الفلسطينية. فتفكيك السلطة قد يفتح الباب أمام أشكال أشد مباشرة من السيطرة الإسرائيلية، بينما يؤدي الإبقاء عليها من دون أفق سياسي إلى استمرار كيان محدود الصلاحيات، يتحمل مسؤوليات الإدارة اليومية من دون امتلاك السيادة على الأرض والحدود.
والسؤال الفلسطيني هنا ليس فقط ما إذا كانت “إسرائيل” تريد بقاء السلطة أو تفكيكها، بل ما الدور الذي يُراد لها أن تؤديه: هل تكون جزءًا من مشروع سياسي ينهي الاحتلال ويحقق الوحدة الجغرافية والسياسية الفلسطينية، أم تتحول إلى أداة لإدارة السكان ضمن منظومة سيطرة لا تتغير؟
مواقف الأحزاب الرئيسية تكشف أن مستقبل السلطة يُناقش في السياسة الإسرائيلية غالبًا من زاوية وظيفتها الأمنية والإدارية، لا من زاوية حق الفلسطينيين في بناء نظام سياسي مستقل يعبّر عن إرادتهم الوطنية.
غزة.. لا حماس.. ولا سلاح.. وأين الانسحاب؟
في غزة، تتقاطع مواقف الأحزاب الإسرائيلية حول منع حماس من العودة إلى الحكم، ونزع سلاحها، وإقامة ترتيبات جديدة لإدارة القطاع. لكن الاتفاق على هذه الأهداف لا يعني الاتفاق على مستقبل غزة، ولا يكشف وحده ما إذا كانت “إسرائيل” مستعدة لإنهاء وجودها العسكري والسيطرة على القطاع.
يربط نتنياهو الانسحاب بنزع سلاح حماس بالكامل، ويشترط تحقيق أهداف أمنية قبل الانتقال إلى ترتيبات أخرى. ويتبنى بينيت موقفًا قريبًا في هذا الملف، إذ يريد بقاء القوات الإسرائيلية حتى نزع سلاح الحركة. أما آيزنكوت، فيطرح إنهاء حكم حماس وتفكيك قدراتها العسكرية، مع إمكان الاستفادة من خطة ترامب إذا تحققت الشروط الأمنية التي يطالب بها.
ويطرح غولان إدارة مدنية بديلة، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار ضمن إطار عربي ودولي، مع استمرار الرقابة الأمنية الإسرائيلية على الحدود والمعابر. أما ليبرمان، فيدعو إلى القضاء على حماس ونقل إدارة القطاع إلى جهة خارجية.
إذن هناك توافق إسرائيلي على مستقبل حماس بغزة، هوامش الاختلاف تشمل الجهة التي ستدير غزة، وشروط الإعمار، ومقدار الانسحاب الإسرائيلي، وطبيعة الرقابة الأمنية، وعلاقة القطاع بالضفة الغربية.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي ينبغي مراقبتها: هل ستُستخدم ترتيبات نزع السلاح والإعمار لتأسيس مسار سياسي موثوق للفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة كما نصت خطة ترامب، أم ستتحول إلى شروط مفتوحة تتيح استمرار السيطرة الإسرائيلية من دون أفق زمني واضح لإنهائها؟
فإذا أصبح الانسحاب مشروطًا بتحقيق مطالب أمنية يمكن توسيعها أو تغييرها باستمرار، فقد يتحول الشرط إلى وسيلة لإدامة السيطرة بدلًا من أن يكون مرحلة انتقالية تنتهي بانسحاب فعلي.
خطة ترامب.. اختبار المواقف لا بديل عن الحقوق
تكتسب خطة ترامب أهمية خاصة لأنها تضع أمام الأحزاب الإسرائيلية تصورًا عمليًا لمستقبل غزة، يتناول الحكم ونزع السلاح وإعادة الإعمار والانسحاب وترتيبات الأمن.
لكن الموقف من الخطة ينبغي ألّا يُقرأ باعتباره اختبارًا بسيطًا بين من يؤيد السلام ومن يعارضه. فالسؤال هو أي أجزاء منها تقبل بها الأحزاب، وما الشروط التي تضعها، وهل ترى فيها مسارًا نحو إنهاء السيطرة الإسرائيلية أم إطارًا لإدارة غزة وفق ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
قد تتفق أحزاب متنافسة على نزع السلاح وتغيير الحكم في القطاع، لكنها تختلف في الجهة التي تتولى الإدارة، وفي دور الدول العربية، وفي مقدار الانسحاب الإسرائيلي. وقد يقبل بعض القوى بإعادة الإعمار ضمن ترتيبات دولية، مع رفضها في الوقت نفسه أي التزام بإقامة دولة فلسطينية.
ولذلك ينبغي ألّا يصبح قبول خطة ترامب أو رفضها معيارًا وحيدًا للحكم على مواقف الأحزاب. المعيار الأهم هو ما إذا كانت الترتيبات المقترحة تفتح طريقًا قابلًا للتنفيذ.
ما الذي يجمع الأحزاب وما الذي يفرّقها؟
تكشف المقارنة أن المشترك بين معظم القوى الإسرائيلية الرئيسية أوسع من مجرد الاتفاق على أولوية الأمن. فهناك رفض واسع لعودة غزة إلى حكم حماس، ومطالبة بنزع سلاحها، وتمسك بدرجات متفاوتة من السيطرة الأمنية الإسرائيلية. كما أن رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة فعلية موقف جامع لهذه القوى، بل يظل غولان وحزبه الأكثر استعدادًا لطرح أفق سياسي لدولة فلسطينية، وإن ضمن قيود أمنية شديدة تأكل من سيادتها وأراضيها.
أما هوامش الاختلافات، فتظهر في شكل السيطرة على الضفة، والموقف من الضم والاستيطان، ومستقبل السلطة الفلسطينية، والجهة التي ستدير غزة، ومدى الاستعداد لربط الترتيبات الأمنية بمسار سياسي ينتهي إلى دولة فلسطينية.
وهذه فروق مهمة، وينبغي عدم إنكارها أو التعامل معها بوصفها شكلية. ومن هنا، فإن السؤال المركزي ليس من هو الحزب الأقل تشددًا في الخطاب، بل ما الذي يمكن أن يتغير في الواقع الفلسطيني إذا وصل إلى الحكم؟ كيف ينبغي للفلسطينيين قراءة الانتخابات؟
 ينبغي للفلسطينيين أن ينظروا إلى الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها معركة داخلية لا تعنيهم، ولا أن يعلقوا آمالًا سياسية على مجرد رحيل نتنياهو. فالانتخابات مهمة لأنها قد تغير طبيعة الحكومة وأسلوب إدارتها للصراع، لكنها لا تضمن وحدها تغيير الأهداف التي تحكم سياستها تجاه الفلسطينيين.
والقراءة الفلسطينية المطلوبة تقوم على ثلاثة معايير واضحة..
أولًا، أن الانتخابات الإسرائيلية ليست بين أحزاب منفردة بل هي بين معسكرات متحالفة ستشكل في حال حصولها على 61 مقعداً في الكنيست حكومة ائتلافية تحكمها اتفاقات ائتلافية وتسير عبر برنامج سياسي للحكومة يضبط كل مكوناتها.
ثانيًا، الخلافات الرئيسية بين نتنياهو ومعسكره من جهة وبين معسكر معارضيه، لا على شكل التعاطي مع القضية الفلسطينية ولا على مصير غزة بعد حرب الإبادة، بل بغالبها لها علاقة بالقضايا الداخلية في المجتمع الإسرائيلي وشكل “إسرائيل” المستقبلية، وعلاقة الدين بالدولة، ومستقبل الربط بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، وما يرتبط بها من قضايا مثل تجنيد الحريديم وقضية الإصلاحات القضائية وغيرها.
ثالثاً، رغم أن القضية الفلسطينية هي أم قضايا “الأمن القومي الإسرائيلي” إلا أن بعد الحرب على غزة والدمار الهائل الذي لحق بها، وفي أجواء من مخيمات الضفة الغربية، باتت قضايا مثل إيران ولبنان والتنافس الإقليمي مع تركيا، وتوسيع اتفاقات ابراهام، والعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية أكثر إلحاحاً على أجندة الأحزاب الإسرائيلية، وهنا يبرز بعض التمايز الفعلي بين معسكر نتنياهو، الذي بحسب ادعاء معارضيه، أنه فشل في تحويل الانجازات العسكرية في توفير أمن مستدام “لإسرائيل”، وبين معسكر معارضيه.
إن الرهان الفلسطيني ينبغي ألّا يكون على هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل، بل على قدرة الفلسطينيين على إعادة ترتيب مشروعهم الوطني، واستعادة وحدتهم السياسية والجغرافية، وتوظيف أبعادهم العربية والإسلامية والدولية لمواجهة الاحتلال ومشروعات الضم والتهجير، وانتزاع حقهم في الحرية وتقرير المصير، وتحويل حقوقهم الوطنية إلى مشروع سياسي موحد، وإلى قوة قادرة على فرض كلفة استمرار الاحتلال على “إسرائيل” وحلفائها، مستفيدة من هوامش الاختلافات بين مكونات الحكومة أيًّا كان رئيس حكومتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى