بين أن نكون أو لا نكون ..

بقلم / منهل عبد الأمير المرشدي ..
لا يختلف اثنان من ذوي العقل والبصيرة بأننا نعيش مرحلة حاسمة بمواجهة المخطط الاستعماري الكبير وخضوع دول وشعوب المنطقة الى الإرادة الصهيوأمريكية في أجندة تقسيم المقسّم لما بعد سايكس بيكو بعدما اكتملت جوقة العملاء المأجورين على رأس أنظمة الحكم من أشباه الرجال بين ملك وشيخ وأمير ورئيس وسلطان وزعيم فكشّر الأشرار عن أنيابهم بالحرب والعدوان على معاقل الشرف والكبرياء والمقاومة حيثما كانت في إيران ولبنان وغزة وصنعاء والعراق . نحن اليوم بين خيارين لا ثالث لهما . بين من يطرق الخوف أبواب القرار عنده فيضطرب الميزان في القلوب وتتلون المواقف . وبين أن نعبر إلى عز وكرامة أو نرتضي ذلا وهوانا واستصغارا . ليس السؤال سؤال حياة أو موت فقط بل سؤال مصير ما بين أن نكون أو لا نكون , ما بين أن نقف ثابتين في وجه الطغيان أو ننسحب جبناءَ في ظل الإهانة , وما بين أن نكتب في صفحات التأريخ المجيد بسنى من نور أو نُلقى في حفرة النسيان بأحرف من حسرات . إن فريقا من المترددين الجبناء الخائفين يلتبس عليهم الحق بالسكوت وتُغريهم السلامة الزائفة فيرتضون الذل والإهانة والاستصغار . يظنون أن التنازل طريق إلى نجاة فإذا هو طريق إلى هاوية وأن الصمت ستر فإذا هو فضيحة وأن الخوف درع فإذا هو عبودية وإذلال . يعتادون المهانة حتى تصير لهم بديهة ويتجرعون المرارة حتى تغدو لهم عادة مُسلَّمة . فإذا جاء وقت المواقف تراجعوا عن كلمة الحق حتى صار الرجوع قدرا لا اختيارا وانقلب الحذر جبنا والاعتذار خوفا والسكوت ندما . كم من هؤلاء عاشوا على وعد مؤجل ثم انقضى الوعد كما ينقضي الظل عند طلوع الفجر . فمآل كل إنسان مهما كان ومهما طال به الأمد الموت والدفن في حفرة صغيرة ضيقة على اتساع العمر صامتة على فصاحة اللسان . هناك لا تنفع التبريرات ولا تُجدي المساومات ولا تُغني الشجاعة المؤجلة ولا ترفع الرايات المعلقة . يكون الحساب عند رب عظيم لا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة , إله يزن النيات ويُحصي الخطوات ويقرأ ما انطوت عليه الضمائر قبل أن تقوله الألسن . أما في الطرف الآخر فنحن مع الصابرين الثابتين الواقفين بعزة وكبرياء، الذين لا تفُتُّ عضدهم صولة الطغاة ولا تُلينهم شوكة المتكبرين . هؤلاء لا يساومون على الحق ولا يبيعون الكرامة بكفوف الخوف . يواجهون الطواغيت بقلوب لا ترتجف ويثبتون في الميدان على يقين لا يتبدد . وإذا اشتدت السنون واشتعلت الفتن لم يزدهم ذلك إلا رسوخا وإذا استبدت القوة لم تحصل منهم إلا الثبات . إنهم حين يمضون إلى مواجهة الباطل لا يخرجون من الدنيا طلبا للموت بل يطلبون حياة الضمير . فيكون استشهادهم معنى لا عبث فيه ودلالة تسمو الى القداسة ودربهم شهادة سامية لا خداعا . وحين يكتب لهم الله ما شاء لا يكون موتهم نهاية بل سجل سافر في صفحات التأريخ المجيد فيكون الغياب عن الأعين حضورا في عرش القلوب والرحيل فجرا خالدا . فلم يكن موتهم حين تأتي منيتهم شهداء في عليين إلا وكأنها ساعة ولادتهم السرمدية الى يوم يبعثون يشرقون هناك حيث لا ظلمة ويستقرون في مقام تتسامى فيه الرتب ولنا بسيد الشهداء في كربلاء الإمام الحسين عليه السلام خير مصداق ودليل حيث التقت كلمة الحق بصيحة” لا” المدوية بوجه الباطل . هناك قيلت الشهادة بلسان لا يلين وحُسمت البطولة بإرادة لا تنكسر . وقد سار على نهج أبي الأحرار مع اختلاف الأزمنة والأمكنة كل من آمن بأن الكرامة لا تُقاس بعدد المناصرين بل بصدق المبدأ وصلابة الموقف . فلنسألْ ضمائرنا قبل أن يسألنا الغد: أي طريق نختار؟ طريق المترددين الذين يرتضون الذل والاحتقار ثم يُوارَوْنَ في حفرة صغيرة هي نهاية الجميع أم طريق الصابرين الثابتين الذين يبيعون الحياة بثمن العزة فيكون لهم سجلٌ في التأريخ لا يطمس وذكرٌ لا ينسى وخلودٌ لا ينقطع ؟ ما بين أن نكون أو لا نكون هو اختيار قبل أن يكون قرارا . فإنْ كنّا اليوم قادرين على كلمة حق فلنقلها وإن كنّا اليوم نستطيع على موقف صدق فلنثبت عليه، فالموت واحد في شكله والحساب واحد في عدله لكن النهايات تختلف باختلاف ما نزرعه في القلوب ذلٌّ يجر إلى خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة ،أو عزّ يرفع إلى عليين .



