اخر الأخبارثقافية

لوحات وسام اللامي.. عندما يحمل العراقيون أوطانهم في حقائب السفر

المراقب العراقي/ أميرة ناجي  ..

ليست الغربة أن يبتعد الإنسان عن المكان الذي وُلد فيه، بل أن يكتشف أن الأمكنة التي غادرها ما تزال تنمو داخله، وأن المسافات لا تُقاس بما يفصل المدن عن بعضها، وإنما بما تتركه في الروح من تحولات. هناك أوطان لا نستطيع العودة إليها حتى لو وقفنا في شوارعها القديمة، لأن الزمن يكون قد أعاد تشكيلها في ذاكرتنا. وفنانون لا يرسمون ما رأوه، بل ما بقي في أعماقهم بعد أن فقدت الأشياء ملامحها الأولى. من هذه المنطقة الملتبسة بين الذاكرة والغياب، بين صلابة المادة وهشاشة الشعور، يمكن الدخول إلى العالم التشكيلي للفنان العراقي وسام اللامي، الذي تبدو تجربته محاولة جمالية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، بعيداً عن الاستعادة المباشرة أو الحنين المألوف.

لقد عاش اللامي بعيداً عن العراق، لكن المسافة الجغرافية لا تكفي وحدها لتفسير تجربته. فالغربة الفنية ليست مجرد انتقال من بيئة إلى أخرى، وإنما مواجهة طويلة بين ذاكرة تكونت في مكان، وحياة تستمر في مكان مختلف. وفي هذا التداخل تنشأ حساسية جديدة تجاه الأشياء، ويتحول الماضي إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل. ومن هنا يمكن النظر إلى أعماله باعتبارها فضاءً تتجاور فيه الذاكرة مع الاكتشاف، والانتماء مع الاختلاف، والحضور مع ذلك الغياب الذي يصعب منحه شكلاً نهائياً.

لا يقدم اللامي العالم في هيأة مشاهد مكتملة، ولا يبدو منشغلاً بإقناع العين بواقعية ما تراه. إنه يترك للون حرية الانفصال عن مرجعه، وللشكل إمكانية التحول، وللمادة حق الاحتفاظ بتأريخها فوق السطح. تتقدم في تجربته حساسية تجريدية تعبيرية واضحة، تتداخل معها خبرته النحتية، فتتحول اللوحة إلى مساحة بناء مادي، ويصبح النحت مجالاً للتجريب اللوني والتكوين الحر.

في معالجته التصويرية، يكتسب السطح أهمية تتجاوز وظيفته التقليدية حاملاً للصورة. فاللون لا يستقر دائماً في طبقة متجانسة، وإنما يتراكم ويتداخل ويتفاوت في كثافته، مولداً تضاريس بصرية تمنح اللوحة حضوراً مادياً ملموساً. وتكشف ضربات الفرشاة عن حركة اليد، بينما تؤسس المعالجات الخشنة والملامس المتباينة إيقاعاً داخلياً يتجاوز العلاقات اللونية المعتادة.

ولعل أكثر ما يميز هذه المعالجة أن اللامي لا يمنح اللون وظيفة وصفية خالصة. فاللون يتحول إلى كتلة، والكتلة إلى حركة، والحركة إلى أثر. وهنا تتضح الصلة بين الرسام والنحات في شخصيته الفنية؛ إذ تبدو بعض مساحاته التصويرية مشيدة بروح نحتية، وكأن الفنان يتعامل مع اللون باعتباره مادة يمكن رفعها وخفضها وتكثيفها، لا مجرد صبغة تُوزع على القماش.

وتمنح المعالجات السطحية بعض منحوتاته حضوراً بصرياً إضافياً، خصوصاً في الأعمال التي يتداخل فيها اللون مع الهيأة المجسمة. فالعلامات والخطوط والبقع اللونية تعيد تشكيل إدراكنا للكتلة، وتخلق مسارات بصرية تتحرك فوق انحناءاتها، كأن الجسد تحول إلى مساحة تحتفظ بآثار تجربة أخرى.

ومن الناحية الأسلوبية، يمكن مقاربة تجربة اللامي عبر تقاطع التجريد التعبيري مع التعبيرية والنحت الحديث، مع ضرورة التمييز بين المرجعيات التي تساعد على قراءة أعماله والانتماء المدرسي المحدد. فهو لا يبدو معنياً بتكرار الصيغ التأريخية لهذه الاتجاهات، وإنما يستثمر إمكانياتها في بناء لغته الخاصة، مستفيداً من المعرفة الأكاديمية ومن حرية التجريب المعاصر.

إن الانتقال بين الرسم والنحت يمنحه مجالاً واسعاً لإعادة التفكير في العلاقة بين البعدين الثاني والثالث. ففي الرسم تظهر الكتلة من خلال كثافة المادة اللونية، وفي النحت يتدخل اللون ليمنح الحجم أبعاداً تعبيرية جديدة. وهكذا لا تبدو الوسيلتان منفصلتين، بل تتبادلان التأثير داخل مشروع تشكيلي تتقدم فيه المادة إلى مرتبة الفكرة.

وإذا كانت الغربة قد أتاحت للفنان الاحتكاك بثقافات وبيآت مختلفة، فإن أثرها الأعمق يمكن البحث عنه في تحرر الشكل من ارتباطه بمكان واحد. فالعمل لا يحتاج إلى علامات جغرافية مباشرة كي يحمل ذاكرة منشئه، ولا يحتاج إلى استحضار رموز الوطن كي يحتفظ بأثره. ربما تكفي خشونة السطح، أو حرارة لون أو هيأة جسد معلق بين الحركة والسكون، لفتح احتمالات متعددة للتأويل.

من هنا تنشأ علاقة دقيقة بين تجربة اللامي والذاكرة العراقية، بعيداً عن اختزال أعماله في خطاب الهوية. فالذاكرة لا تظهر دائماً على هيأة صورة واضحة؛ قد تكون أثراً غامضاً، أو إيقاعاً متكرراً، أو شعوراً بالمكان يتسلل إلى العمل دون أن يعلن عن نفسه.

وقد يكون هذا التوتر مفتاحاً مناسباً لفهم تجربته؛ فالفنان الذي عاش بين ثقافات مختلفة لا يحتاج إلى حسم الاختلاف بينها، وإنما يستطيع تحويله إلى طاقة تشكيلية. وما يبدو تعارضاً في الحياة قد يصبح داخل العمل علاقة بين لونين، أو بين كتلة وفراغ، أو بين سطح خشن وآخر أكثر هدوءاً .

وفي النهاية لا تمنحنا أعمال وسام اللامي إجابة قاطعة عن معنى الغربة، لكنها تتيح لنا رؤية أثرها في المادة، وفي الطريقة التي تتغير بها الأشياء بعد مرورها عبر ذاكرة الفنان. فالمسافة التي تفصل الإنسان عن وطنه قد تتحول إلى مسافة بين لون وآخر، والسنوات التي تتراكم في الذاكرة قد تجد امتدادها في طبقات السطح، والجسد الذي يعبر العالم قد يصبح كتلة تبحث عن موضعها داخل الفراغ.

لعل وسام اللامي لا يرسم المكان الذي غادره، ولا ينحت الإنسان الذي كأنه قبل الغربة، وإنما يعيد تشكيل تلك المسافة التي نشأت بينهما، ويمنحها وجوداً مادياً يستطيع الآخرون الاقتراب منه.

فبعض الفنانين يحملون أوطانهم في حقائب السفر، وآخرون يتركونها تتكلم في أعمالهم. أما وسام اللامي، فيبدو أنه منح المنفى يداً، وترك للذاكرة أن تتعلم لمس الأشياء من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى