مأزق نتنياهو الانتخابي.. كيف يرمّم اليمين دون تفجير تناقضاته؟

بقلم: محمد الأيوبي..
على بعد أسبوع تقريبًا من موعد الاقتراع في السابع والعشرين من تشرين الأول، لم يعد السؤال “الإسرائيلي” المركزي هو “من سيفوز؟”، بل “من سيدفع ثمن عدم فوز أحد؟”. فاستطلاعات الرأي الأربعة الكبرى التي نشرتها “معاريف”، وهيأة البث “كان”، والقناتان 12 و13، رسمت مشهدًا تكاد تكون فيه الأرقام نسخًا مكررة من بعضها بعضًا: معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت يحصد في المتوسط 51.25 مقعدًا، ومعسكر بنيامين نتنياهو 51 مقعدًا، أي أن كليهما يظل على مسافة عشرة مقاعد كاملة من عتبة الـ61 المطلوبة لتشكيل حكومة مستقرة. هذا التعادل السلبي ليس فقط نتيجة حسابية هامشية؛ إنه تعبير بنيوي عن أزمة أعمق: اليمين “الإسرائيلي”، بجناحيه، وصل إلى سقف قدرته التمثيلية، ولم يعد قادرًا على توسيع قاعدته إلا عبر ابتلاع حلفائه أو استنزافهم.
“الليكود” يتراجع.. و”يشار” يتقدم
في التفاصيل التي تقدمها الاستطلاعات، يبرز تراجع “الليكود” إلى 18 مقعدًا في استطلاع “معاريف”، مقابل 23 مقعدًا لحزب “يشار” بزعامة آيزنكوت، في حين يتقدم الأخير على نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة بنسبة 43% مقابل 35%. لكن هذه الأرقام، رغم دلالتها على صعود آيزنكوت، لا تعني أن المعارضة الصهيونية باتت قادرة على الحكم.
وهنا تتكشف مفارقة جوهرية: قادة المعارضة يتشاركون في قاسم مشترك واحد فقط هو الرغبة في إزاحة نتنياهو من السلطة. لكن خلافات كثيرة تفرّقهم. بل إن نتنياهو نفسه يراهن على هذه التناقضات: فهو لا يلعب فقط على التناقضات بين قادة المعارضة، بل أيضًا على التناقضات داخل حزب آيزنكوت نفسه، الذي يضم ناخبين من اليسار والوسط واليمين. وهذه المفارقة تفسر جزءًا من الجمود الحالي: فالمعارضة التي تتفق على “إسقاط نتنياهو” لا تتفق على «من يحل محله»، ولا على “ما الذي ستفعله به” بعد ذلك.
بن غفير.. الحليف الذي تحوّل إلى عبء انتخابي
لم يعد خلاف نتنياهو مع إيتمار بن غفير خلافًا على حصص وزارية فحسب؛ بل تحوّل إلى مسألة وجودية بالنسبة لرئيس الوزراء. فبن غفير، الذي يطالب بوزارتي الدفاع والأمن القومي، فجّر الأسبوع الماضي قنبلة سياسية عندما اتهم نتنياهو بالتخطيط لإخراجه من الائتلاف المقبل وإدخال آيزنكوت بدلًا منه، قائلًا بنبرة تهكمية: “نتنياهو لا يريدني وزيرًا للأمن القومي، ولا وزيرًا للدفاع.. فما الذي سيرضون بإعطائنا إياه؟ وزارة السياحة؟!”. هذا الاتهام ليس مجرد غضب سياسي؛ إنه يعكس حقيقة أعمق: نتنياهو بدأ فعليًا في التخلص من عبء بن غفير الانتخابي. فقد رفض منحه حقيبة الدفاع، واستثناه من اتفاقيات فائض الأصوات، ووجّه رسالة حادة بأن الوزارتين الأمنيتين ستبقيان في يد “الليكود”. والأخطر من ذلك، وفق بن غفير نفسه، أن “مكتب نتنياهو تعهّد للاتحاد الأوروبي باستبعادي من الحكومة المقبلة“.
ملف التجنيد.. حيث تتحطم كل التسويات
لا يوجد ملف يكشف هشاشة اليمين “الإسرائيلي” مثل ملف تجنيد الحريديم. فمع انتهاء الإعفاءات القانونية في حزيران 2024، بعد حكم المحكمة العليا بعدم وجود سند قانوني لاستمرار الإعفاء الشامل، ارتفع عدد المصنفين “متهربين من الخدمة” إلى نحو 110 آلاف، يشكل الحريديم 80% منهم. وقد حذر رئيس الأركان إيال زامير من مشروع قانون أقرته لجنة برلمانية ويقضي بتجميد تجنيد الحريديم سبعة أشهر، معتبرًا أنه “يتعارض بشكل واضح مع احتياجات الجيش”، وأنه “من غير المعقول أن يكون الجيش، الذي يطالب جنوده بتضحيات غير مسبوقة، شريكًا في منح إعفاءات جماعية من الملاحقة القضائية”. هذا الموقف العسكري الصريح يضع نتنياهو في زاوية حرجة: حلفاؤه الحريديون يرفضون التجنيد، ومؤسسته الأمنية ترفض الإعفاء، وقاعدته الليكودية نفسها بدأت تضغط باتجاه إلزام الحريديم بالخدمة.
حكومة الوحدة.. مخرج أم فخ؟
في ظل هذا الانسداد لم يعد سيناريو حكومة الوحدة بين نتنياهو وآيزنكوت مجرد تكهنات صحفية. فصحيفة “يسرائيل هيوم” كشفت أن الإدارة الأميركية تدفع نحو “حكومة موسّعة” تُبقي نتنياهو رئيسًا للوزراء لمدة لا تتجاوز عامين، ثم يتسلم آيزنكوت رئاسة الحكومة، على أن تُستبعد العناصر المتطرفة، وفي مقدمتها بن غفير وسموتريتش. وقد التقى السفير الأميركي مايك هاكابي آيزنكوت شخصيًا، وأُبلغ القادة “الإسرائيليين” أن واشنطن “سترحب بحكومة موسعة ومستقرة وخالية من العناصر المتطرفة”. لكن هذا السيناريو، رغم دعمه الأميركي، يصطدم بعقبتين: الأولى أن آيزنكوت أعلن رفضه تولي نتنياهو أي منصب حكومي، والثانية أن بن غفير نفسه يحذر من أن “كل المؤشرات تقول إن رئيس الوزراء يخطط لتحالف مع آيزنكوت“.
فلسطينيو الداخل.. الورقة التي لا يريد أحد لعبها
في خِضَمِّ هذا الصراع، يبرز عامل آخر لم يكن في حسبان كثيرين: أصوات فلسطينيي الداخل. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن القائمتين العربيتين (المشتركة والموحدة) تحصلان على 13 إلى 15 مقعدًا. وقد بدأ منصور عباس، زعيم “راعم”، يطرح نفسه “صانع ملوك” قادرًا على ترجيح كفة أي معسكر، مستغلًا حقيقة أن أي حكومة بدون دعمه قد لا ترى النور. لكن هذه الورقة خطيرة: فالمعارضة الصهيونية، بما فيها آيزنكوت وليبرمان، ترفض الاعتماد على الأحزاب العربية، بل إن ليبرمان يعتبر حكومة تعتمد على دعم خارجي من العرب “عارًا”.
رقصة اليمين على حبال متناقضة
مأزق نتنياهو ليس فقط أزمة تكتيكية في توزيع المقاعد؛ إنه أزمة بنيوية في مشروع اليمين “الإسرائيلي” برمته. فنتنياهو يحتاج إلى بن غفير ليضمن أصوات اليمين المتطرف، لكنه يحتاج إلى إقصائه ليطمئن آيزنكوت والولايات المتحدة. وهو يحتاج إلى الحريديم لتأمين الأغلبية، لكنه يحتاج إلى تقييد إعفاءاتهم لإرضاء قاعدته العلمانية ومؤسسته العسكرية. وهو يحتاج إلى حكومة وحدة لإنقاذ نفسه من العزلة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على شريكه الأيديولوجي الذي قد يُفجّر هذه الحكومة.



