اخر الأخبارثقافية

“قدرات العقل الإبداعي” .. علاء كريم يربط بين الفلسفة والتشكيل والسينما

المراقب العراقي/ طالب كريم..

حين يضع الدكتور علاء كريم فرحان عنوان “قدرات العقل الإبداعي” لكتابه الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة، فهو لا يعد القارئ بوصفة جاهزة ليكون مبدعاً، بل يدعوه إلى رحلة أكثر عمقاً: أن يفهم كيف يعمل العقل حين يبدع، وكيف تتحول هذه القدرة من ومضة فردية إلى ثقافة منتجة للمعنى.

 الكتاب الذي قدمت له د. سافرة ناجي  بإضاءة تشير إلى مركزية العقل في صناعة الإبداع، يبني مشروعه على حجرين، أولهما نظري يتناول القدرات العقلية ومفهوم الإبداع ونظرياته وسيكولوجيته والعلاقة بين الذكاء والتفكير، وثانيهما تطبيقي يجعل من الفنون مختبراً حياً لاختبار تلك القدرات، ولعل أهم ما يميزه أنه لم يذهب إلى المختبر النفسي المعزول، بل ذهب إلى الخشبة واللوحة والشاشة واللحن لأنها المختبرات الأكثر اكتمالاً للعقل المبدع حيث يلتقي الفكر المجرد بالجسد الحي .

 في الفلسفة والمسرح يعود المؤلف إلى الجذور حيث شكلت المسألة الإبداعية أقدم المشاكل التي احتار فيها الفلاسفة، فيستدعي سقراط وأفلاطون وأرسطو، يذكرنا بأن أفلاطون رأى في الشعر الدرامي محاكاة زائفة مملوءة بالشبهات، بينما رأى أرسطو أن المحاكاة هي أصل التعلم وأن الإبداع يصنع باللغة، وهذا الصراع ليس تأريخاً للاستعراض بل جذر سؤاله المعاصر كيف تتحول الفكرة إلى صورة بصرية تتواشج مع المتلقي عبر اللغة البصرية بديناميكيتها الحركية والتشكيلية، وكيف تجاوز المسرح الحديث مجرد التصوير إلى خلق ديناميكية حياتية جديدة تعالج التحولات المعرفية عبر أشكال الوعي الاجتماعي بعيداً عن التقليدية المكررة، عبر حفر الصورة البصرية وتحطيم تمظهرات الراوي وتحويل النص الأدبي إلى عمل يتعامل مع الحوار والأدوار الملامسة للتجسيد، فالمسرح عنده ليس ترفاً بل مظهر من مظاهر الحياة يضع مشكلاتها داخل وعيه ومضمونه وضرورة حضوره تأتي من طروحات تنادي بأهمية الإنسان.

ولأن العقل المبدع لا يتجزأ فإن المؤلف يتتبعه في التشكيل فيرى أن القدرات الإبداعية في هذا الفن تقوم على تفاصيل الإنسان وناشئه ووجوهه وتقاسيمه وانفعالاته، وأن الرؤية الإبداعية تُبنى على أساس مجموعة من المراكز الأساسية التي تقوم عليها البنية الحضارية للمجتمع، وأن الإنجاز الحضاري هو حصيلة التفاعل، وأن الإبداع في التشكيل ليس نسخاً للطبيعة بل قدرة على إعادة قراءة العالم بزاوية مغايرة واختزال المفردات، وهو ما يجعل العمل الإبداعي لا يصل إلى حالة العمل غير المسلسل إلا إذا جمع بين الأجناس المختلفة، ثم يميز  بين الإبداع والابتكار فيوضح أن الابتكار هو الإنتاج الجديد المختلف الذي لا يُصنف بالتكرار، بينما الإبداع هو القدرة الأوسع التي تشمل التركيب وإعادة التنظيم، فكل فكرة لها أساس جمعي ومسبق في الذهن، وأن الإبداع يعني إيجاد شريطة أن يصنف هذا الجديد بإجمال، وأنه في الأداء متفق ويطلق على قلة، بينما الابتكار هو تجربة أشياء جديدة على تجربة قديمة، الإبداع هو الأسلوب والابتكار هو النتيجة . ثم ينتقل إلى السينما فيرى أن الإبداع فيها ليس في القصة بل في معالجة القالب، في قدرة المخرج على جعل كل عنصر فكراً، وأن الفيلم ميلاد نشأ بالتقاطع بين العلم والفن، بين المسرح والتشكيل والموسيقى، وأن الصورة السينمائية حين تتشكل تصبح أكثر من تسجيل للواقع، بل هي استماع عن المشاهد التي ترى الصور، وأن العمل السينمائي هو القدرة على تفريغ الطاقة في صورة مكثفة ومغايرة تظهر المألوف بطريقة غير مألوفة حيث تنفتح الصورة على آفاق جديدة من التأويل، وأن استخدام الأشياء عبر التواصل والتداول يمنحها سمات مختلفة، وأن العمل الفني وُصف بأنه وعاء مملوء بالانفعالات التي تأتي من الواقع .

ثم يصل إلى الفكرة الأجمل التي تجمع الفنون كلها: كل الفنون عندما تخلق صورها سواء كانت ذهنية أو أيقونية فإنها تريد التحدث بلغة تقترب من اللغة المحكية، فالمؤلف الموسيقي عندما يضع ألحانه لتصوير حالة معينة كان يريد أن يعبر عن حالة اشتياق أو لأنه مسافر بعيدا عنها ومضت عليه حقبة طويلة، هنا يفكر المؤلف بمفردات لغوية يتحدث بها مع نفسه أقرب إلى الحوار الداخلي كيف يحول هذه المفردات إلى صورة ذهنية، وهكذا بالنسبة للرسام والشاعر والسينمائي، بهذا المعنى يصبح اللحن والمشهد واللوحة لغات متقاربة، والمبدع هو من يستطيع أن يحول الحوار الداخلي إلى صورة مشتركة، وأن يجعل من اللحن بصمة وذاكرة فنية تتحول من مكان إلى حالة، وأن يجعل من الموسيقى في الدراما ليس خلفية بل قوة دافعة وراء الجوهر الفني وسياقاً يرتبط بمادة العمل وشكله وتعبيره.

لهذا فإن قيمة كتاب الدكتور علاء كريم فرحان أنه يربط بين الفلسفة والتشكيل والسينما والموسيقى ويقدم الإبداع كثقافة عقل لا كهبة، ويذكرنا بأن العقل حين يبدع لا ينتج عرضاً مسرحياً أو لوحة أو فيلماً أو لحناً فقط، بل ينتج طريقة جديدة لفهم الحياة، وأن المسرح واللوحة والشاشة واللحن ليست إلا صوراً مختلفة لعقل واحد حين يقرر أن لا يكرر العالم بل أن يعيد خلقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى