وزير الصحة .. الظاهرة والاستثناء ..

بقلم / منهل عبد الأمير المرشدي ..
ليس من السهل أن تَشغل صورة وزير في الحكومة العراقية ما يشغله وزير الصحة الدكتور عبد الحسين الموسوي ، فالشارع بحكم المعاناة اليومية لا يتعامل مع الزيارات التفقدية كأنها حدث عابر أو مجرد مادة إعلامية . المواطن العراقي المعجب فوق المعقول بما يرى لكنه يقارن ويحاكم بالنتيجة لا بالنية . هناك شيء غير مألوف صار يُشاهد وبشكل متكرر في أروقة مستشفياتنا الحكومية , نشاط استثنائي لوزير الصحة حيث يقضي جلّ يومه بين الزيارات المفاجئة للمستشفيات الحكومية ومقابلة عشرات بل مئات المواطنين والتدخل قدر الإمكان لتلبية احتياجاتهم . إنه نهج جديد في الممارسة ويخالف المعتاد في المشهد الحكومي حيث يبقى الوزير خلف مكتبه يطلّ من نافذة التصريحات ويغادر قبل نهاية الدوام بموكب طويل من سيارات التاهو ثم تُترك المستشفيات وحيدة أمام ضغط المراجعين ونواقص الإمداد ووجع المرضى . أما اليوم فهناك إجماع أن الوزير صار حاضرا في المكان الذي يُفترض أن تكون فيه القرارات متمثلة بالمستشفى لا قاعة الاجتماعات . هنا تبدأ أسئلة البعض التي لا يجوز التهرب منها . هل ما نراه أجندة إعلامية أم طبيعة عمل ؟ هل تنتج المقابلات وعودا تترجم إلى علاج وتوفير الاحتياجات ؟ هل تنعكس فعلا على طبيعة العمل ومستوى الخدمات في المؤسسات الصحية ؟ هذه تساؤلات مشروعة والإنصاف يقتضي أن من يرى كثرة الزيارات واستمرار النهج منذ استلام المسؤولية للدكتور الموسوي وحتى اليوم بحسب ما نراه ويؤكده الواقع المتداول تجعل من الصعب اختزال الأمر في تكتيك إعلامي عابر فلا يمكن لمن يشهد نمطا مستمرا أن يختزله بالكامل في دعاية إعلامية . إذن السؤال الأصح ليس هل هو دعاية أم إخلاص في عمل الوزير ؟ بل ماذا نتج عن ذلك وماذا تغير في الخدمات ؟ فالشارع لا يقف عند الزيارة والمواطن يذهب إلى المستشفى وهو يحمل معاناته ويعود وهو يحملها أيضا إن بقيت الأسباب كما هي . لذلك إن كان فعلًا استثناء إيجابيا ينبغي أن يؤثر بشكل واضح على مستوى الخدمات في المستشفيات الحكومية وينبغي أن يتفاعل معه إيجابيا البرلمان ورئيس مجلس الوزراء ليكون له عونا ومددا ، أن التفقد وحده لا يصنع الدواء ولا يحل مشكلة نقص الأجهزة ولا يبدّل عقود التوريد بين ليلة وضحاها . وقد تعود الإشكالية إلى طبيعة إدارة المنظومة نفسها أو إلى تقاطع المسؤوليات أو إلى حدود صلاحيات الوزارة مقابل جهات أخرى داخل الدولة . وهنا نصل إلى نقطة لا بد أن تُقال بصراحة إذا كانت المشكلة أوسع من وزارة الصحة فمن غير المنطقي أن تُحمَّل الوزارة وحدها كل العبء حتى وإن كانت من يتخذ قرار تغيير الأولويات، هذه أسئلة تناط الإجابة عنها بحسب منطق الدولة على رئيس الحكومة ومركز القرار التنفيذي . وبين ذلك كله يبقى الناطق الإعلامي للوزارة الدكتور سيف البدر يؤدي وظيفة أصعب مما يظن البعض، لأن الوزير قد يحمل مطالب وملاحظات كثيرة والشارع قد يطلب تفسيرا سريعا لكل دقيقة في المستشفى . لكن هل يستطيع الأخ البدر بما يملك من كفاءة تلبية كل ما يطلبه الوزير أثناء جولاته، فالإعلام يشرح ويغطي ويدافع ويوضح . والآن لا بد من سؤال مباشر لأنه يمس قلب المنظومة الطبية نضعه بين أنظار الأخ الوزير , هل يرضيك ما يتقاضاه الطبيب العراقي من راتب شهري ؟ هل يليق بالجهد الذي يبذله الطبيب وبالمخاطر التي يتحملها وبساعات العمل الطويلة التي تُختزل روحه في رقم لا يعكس قيمة ما يقدمه ؟ علما أن راتب الطبيب في أوروبا هو الأعلى بين كل الرواتب فهل يليق أن يُترك العاملون في المجال الصحي تحت ضغط المعيشة بينما يُطلب منهم الإخلاص والتفاني من دون أن تُصان كرامتهم المهنية ؟ . آخر ما نقول للسيد الوزير الظاهرة الذي نال احترام وإعجاب الجميع وندعو له بالتوفيق كونه خالف الرتابة وخالف المعتاد بمنهجه في زيارة المستشفيات ومقابلة المواطنين وتعامله مع احتياجاتهم . نتمنى أن ينتقل إلى مرحلة التغيير . فما يأمله المواطن يا سيادة الوزير دواء حين يحتاجه ، فحصٌ دون تأخير ، مستشفى قادر على استقبال المريض دون انهيار الخدمة ، ومعايير واضحة تُطبق على الجميع، وأن تتحول الجولة إلى خطة عمل ، والسلام مع فائق الاحترام.



