كاظم الجماسي نموذج حي للمبدع الذي طوّع القسوة لتغدو جمالاً

المراقب العراقي/ ماجد حميد..
الأديب والقاص والإعلامي كاظم الجماسي (كاظم غضيب ثويني) هو أحد الأعلام البارزين في المشهد السردي والصحفي العراقي المعاصر. يمتاز بمسيرة أدبية غنية تمزج بين جماليات الفن التشكيلي وعمق الكتابة القصصية والوجودية، حاصل على شهادة بكالوريوس إخراج مسرحي من أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
يمتلك تأريخاً طويلاً في الإعلام المرئي والمقروء؛ حيث عمل معداً للبرامج المنوعة في قنوات فضائية كبرى مثل قناة العراقية، السومرية، والحرية، كما شغل مناصب صحفية وثقافية متعددة، منها نائب رئيس تحرير مجلة “الحياة البغدادية” وجريدة “الحياة اليوم”، ومسؤول صفحات شؤون الناس والتحقيقات والثقافة في صحف شهيرة مثل المدى البغدادية، الاتحاد، والمستقبل العراقي.
بدأ الجماسي مسيرته منجذباً للرسم والألوان، لكنه انحاز لاحقاً للغة كأداة قادرة على النفاذ لعمق الأزمات الإنسانية والوجودية، فصارت قصصه تتميز بالرمزية العالية والتأملات المكثفة.
على الرغم من أن الثقل الأساسي لمُنجزه السردي يقع في منطقة القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والبحوث الدراسية للنصوص الروائية، إلا أن كتاباته السردية المنشورة في مجموعاته تمتاز بنَفَس ممتد يقترب في ثيماته الرمزية والاجتماعية من عوالم الرواية والملحمية الإنسانية.
نتاجاته وإصداراته البارزة:
لغو.. لا.. أكثر (مجموعة سرود، بغداد 1997).
أفكار ورؤى في السرد العراقي والعربي المعاصر (دراسات نقدية، بغداد 1999).
حقيبة مثقلة بالهراءات (مجموعة قصصية نالت اهتماماً نقدياً واسعاً، وتضم نصوصاً رمزية مميزة مثل قصة “سحر” و”إسعاف أولي”).
كما لو أننا نولد للتو (مجموعة قصصية صدرت عن منشورات اتحاد الأدباء).
عراق آخر (كتاب فكري/ثقافي).
السينما الوثائقية: كتب سيناريوهات لعدد من الأفلام الوثائقية التي حصدت جوائز في مهرجانات عربية ودولية.
غوايات القص وحتوفه (شهادة أدبية مشهورة استعرض فيها وعيه المبكر وتكوينه الإبداعي).
شهد عام 2014 محطة إنسانية بالغة الأثر غيّرت نظرة الأوساط الثقافية للجماسي؛ حيث كتب رسالة نثرية وداعية حزينة رثى فيها نفسه وهو حي عقب إصابته بمرض السرطان، وجاء فيها: “الصديقات.. الأصدقاء.. وداعاً… سأفتقد الأمر الذي ينشرني وجعاً منذ الآن: الشمس والهواء النهر والشجر ومرأى الأقمار والنجوم… ولكن سأفتقد حضوركم أكثر”.
أثارت هذه الرسالة تعاطفاً وموجة شجن بالغة في الساحة الثقافية العربية. ورغم أن صيغتها المفجعة وظروف المرض الطويل جعلت البعض يظن واهماً، أن الكاتب قد فارق الحياة، إلا أن كبرياء الجماسي وعزيمته انتصرا على المرض.
إبان تلك الحادثة، انطلقت أقلام الأدباء العرب بتعاطف واسع، كتب عنه مثقفون وإعلاميون في الصحافة العربية (مثل المقالات الموجهة له في جريدة الجريدة الكويتية) واصفين إياه بصاحب “الحروف الممتلئة بحزن إنسان فارق الحياة وهو على قيدها”.
وجه إليه أصدقاء وقراء رسائل تضامن نُشرت آنذاك جاء فيها: “نعيك أعاد الكثيرين منا إلى قيد الحياة… قفْ ولا تفقد الأمل بهذه الدنيا”. واعتبروا أن كبرياء كفاحه وصمته في مواجهة المرض والإهمال يمثل صرخة احتجاجية ومرآة تعكس معاناة الوعي والإبداع في الواقع العربي.
حظيت مجموعاته القصصية والدراسية باحتفاء لافت من قبل النقاد الذين تتبعوا أسلوبه في الكتابة، لا سيما في القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً.
أشار نقاد عراقيون (في قراءات نشرتها صحف مثل طريق الشعب) إلى أن كتابات الجماسي تمثل إضافة وازنة وتجربة ناضجة في مجال “القصة القصيرة جداً” في العراق. واعتبروا أنه نجح في الحفاظ على الملامح السردية الواضحة والحكاية المتداولة بيسر، دون الانزلاق إلى الشطحات النثرية المفرطة التي تُفقد النص هويته القصصية.
عوالم “حقيبة مثقلة بالهراءات”: كشفت المراجعات النقدية للمجموعة (والتي نشرتها منصات ثقافية مثل نخيل عراقي) أن قصصه تمتاز بخيوط يومية عادية لكنها “لا تُقرأ بل تُعاش”. ووصف النقاد عوالمه بأنها مشحونة بالرموز المشفرة والتأملات الوجودية التي تعكس صراعات الإنسان ومآلاته.
الثيمات الرمزية والمرأة والصعلكة: في القراءات النقدية والندوات الأدبية (مثل نقاشات الناقد حمدي المعموري حول نصوص الجماسي)، أُشيد بطريقة تناوله للثيمات الرمزية البارزة؛ حيث اعتبر النقاد نصوصه عن الشاعر جان دمو مثلاً إعادة تعريف لمفهوم الصعلكة بوصفها “موقفاً ثقافياً وفلسفياً معارضاً للبنى الجامدة والسلطة”. كما أثنوا على دور “المرأة” في قصصه باعتبارها “مركزاً رمزياً لفكرة الخصب والحياة”.
وهكذا يظل كاظم الجماسي نموذجاً حياً للمبدع الذي طوع القسوة لتغدو جمالاً، وحول الحتف والوجع إلى غواية سردية خالدة.
إن مسيرته بدءاً من درابين مدينة الصدر السمراء وصولاً إلى صروح الفن وأروقة السرد، ليست مجرد سيرة ذاتية حافلة بالعطاء، بل هي حكاية إنسان هزَم العتمة باللغات، وقاوم الفناء بالكبرياء والقصيدة. سيبقى أدبه ورؤيته شهادةً شاهقة على أن الإبداع العراقي الأصيل لا يندرق كماءٍ في أرضٍ سبخاء، بل يرسخ في الذاكرة الثقافية شجرةً وارفة العطاء، تنبض بالحياة والخصب وتلهم الأجيال القادمة.




