أزمة ترامب أبعد من الانتخابات وإيران

الكاتب: نور الدين إسكندر..
باتت المعضلة التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه اللحظة الاستراتيجية واضحةً للعالم كله.
المسألة أبعد من حاجته لإخضاع إيران، وتعثّره في ذلك. إنها الآن تتمحور حول إطار أكبر، محوره كيفية إخضاعها من دون أن يدفع الاقتصاد الأمريكي ثمناً قاتلاً. في هذه اللحظة، يبدو تجديد الحرب ضرورة سياسية للرئيس الأميركي، لكنها ضرورة ملفوفةٌ بطبقاتٍ متعددة من المخاطر التي تطال مستقبله السياسي، ومستقبل الترامبية، بل مستقبل الهيمنة الأميركية نفسها.
اقتصاد يحتاج إلى نصر.. ونصر قد يدمّر الاقتصاد
بالنسبة إلى ترامب تجاوزت الحرب على إيران مساحة اختبار الردع الأميركي أو مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي الآن تتداخل مع اختبار أشد خطورة، تمثله قدرة إدارته على حماية القوة الشرائية للأميركيين، وكبح أسعار الطاقة، وإبقاء الأسواق مقتنعة بأن الاقتصاد لا يزال تحت السيطرة. ذلك أن النفط ليس سلعة عادية في الاقتصاد السياسي الأميركي، بتحوله سريعاً من رقم على شاشات التداول إلى سعر مؤلم على شاشات محطات الوقود، ثم إلى شعور عام بالرضا أو الغضب من السلطة.
ومن هنا تنشأ المعضلة التي تؤكد أن إخضاع إيران قد يمنح ترامب انتصاراً سياسياً ، لكنه إذا اقتضى حرب استنزاف طويلة أو تسبّب باضطراب واسع في إمدادات الخليج، فإن الانتصار نفسه قد يحمل بذور الهزيمة الاقتصادية. وهو ما لا يبدو قابلاً للتحقق في الأفق، مع صمود إيران وتأقلمها مع ديناميات الحرب، وتمكنها من رسم خطوطٍ حمر لها، ومعادلات ردع متنوعة تصبّ جميعها في حالةٍ عامة عنوانها الصمود أمام التهديد الأقصى، والاستفادة من الوقت، حتى تحت محاولات الحصار.
الضرورات الانتخابية تغري بتجديد الحرب
كلما اقتربت الانتخابات النصفية، تضيق المساحة المُتاحة لترامب بين خيارين كلاهما محفوف بالمخاطر.
إذا صعّد عسكرياً، فقد ترتفع أسعار النفط وتتراجع الأسواق ويزداد قلق الناخب الأميركي. وإذا تراجع من دون إنجاز واضح، فقد يبدو أمام جمهوره وكأنه أخفق في فرض الإرادة الأميركية على خصم أضعف منه عسكرياً.
لهذا قد تصبح الضربة العسكرية، قبل الانتخابات أو بعدها، خياراً جذّاباً سياسياً، وإن لم تكن ضرورة استراتيجية موضوعية.
البيت الأبيض يبحث عن الصورة
في هذا السياق، تكتسب المعلومات التي نشرتها مجلة “ذا اتلانتيك” The Atlantic قبل أيام بشأن دراسة إدارة ترامب خيارات جديدة لضرب إيران أهمية استثنائية. فبحسب تقريرها تجري بالفعل مراجعة خيارات عسكرية، مع استمرار التخطيط داخل القيادة المركزية الأميركية، وتبحث الإدارة إمكانية توجيه ضربات قبل الانتخابات، فيما تبقى خيارات التصعيد الأوسع بعدها مطروحة.
لكن اللافت ليس التخطيط العسكري بحد ذاته. فالجيوش تخطط باستمرار، بل اللافت هو اقتران الخيارات العسكرية بالحاجة إلى إظهار تقدم سياسي وخفض أسعار الوقود. كأن المطلوب من البنتاغون الانتقال من تحقيق نتيجة عسكرية، إلى إنتاج مشهد انتصار قابل للاستهلاك الانتخابي.
استراتيجية البقاء بوصفها سلاحاً فاعلاً
إذا استطاعت طهران الصمود خلال الأشهر القليلة المقبلة، من دون انهيار اقتصادي داخلي أو فقدان كامل لقدرتها على الردع، فإنها قد تحقق مكسباً استراتيجياً يتجاوز النتائج العسكرية المباشرة، ويفتح الباب واسعاً على ارتداداتٍ استراتيجية حادة. فالتوازن بالقوة مع الولايات المتحدة خارج المطلوب إيرانياً، من باب الواقعية السياسية، أما المطلوب فعلياً، فهو الحفاظ على قدرة تهديد تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من إنهائها.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطراً وجودياً أيضاً. فاستهداف البنية التحتية الخليجية قد يدفع دول المنطقة إلى توسيع انخراطها في المواجهة، ويمنح واشنطن مبررات إضافية لتدمير قدرات إيرانية حيوية. ولهذا ينبغي عدم الخلط بين امتلاك إيران قدرة على الإضرار بالاقتصاد العالمي وبين قدرتها على التحكم بعواقب استخدامها.
هل بدأ ترامب توزيع المسؤوليات حول انهيار كبير مقبل؟
شكّل تحذير ترامب عالي النبرة من أن انتصار الديمقراطيين قد يُفضي إلى أزمة اقتصادية شبيهة بانهيار عام 1929، موقفاً لافتاً، من بين المواقف الصارخة اليومية له حول الشؤون الداخلية والدولية المختلفة. ذلك أنه يفهم بأسوأ من نطاق التحذير الانتخابي التقليدي المتوقع.
غير أن استدعاء الكساد الكبير يكشف، قبل أي شيء، طبيعة المعركة على إعلان وتفسير الأزمة المقبلة التي يتوقعها اقتصاديون كثر. فإذا تحسّن الاقتصاد، سيكون ذلك انتصاراً للترامبية. وإذا تدهور بعد فوز الديمقراطيين، فسيصبح ممكناً تحميلهم المسؤولية، حتى لو كانت جذور الأزمة سابقة على الانتخابات نفسها. إذاً، هو دورانٌ
فقاعة الذكاء الاصطناعي.. بيع المستقبل
تقوم قطاعات واسعة من التفاؤل المالي الأميركي على الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيطلق موجة إنتاجية غير مسبوقة، تبرّر الاستثمارات الهائلة والتقييمات المرتفعة لشركات التكنولوجيا. لكن الفجوة بين الوعود والعوائد الفعلية تثير سؤالاً متزايد الأهمية. فماذا لو كان المستقبل الذي تُسعّره الأسواق أسرع بكثير من المستقبل الذي تستطيع التكنولوجيا تحقيقه؟
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي وهم، بل إن التكنولوجيا الثورية قد تتحول إلى فقاعة مالية حقيقية عندما تتجاوز أسعار الأصول قدرتها على توليد الأرباح.
طلب النجدة من بوتين
في ظل هذه الصورة الكبرى كلها، تأتي المفاجأة الروسية لتكشف حجم التناقض. فقد أعلن ترامب اتفاقاً يسمح بزيادة إمدادات الديزل الروسي، مع تخفيف قيود أميركية على تجارة الوقود الروسي، سعياً إلى احتواء الأسعار قبل الانتخابات. لكن التدقيق في واقع صناعة الديزل الروسية، يكشف الكثير.
فبسبب الضربات الأوكرانية للمصافي الروسية، وأسباب أخرى، تفرض روسيا حالياً حظراً على تصدير الديزل، حتى الـ 31 من أكتوبر الحالي. بينما يشير الاتفاق مع ترامب على تصدير 300 ألف برميل خلال الشهر نفسه. ثم إن هذا الحجم الضئيل من براميل الديزل، لا يؤدي إلى أثرٍ ملموس في السوق الأميركية، أو على مستوى أسعار المادة في الأسواق العالمية. هي إذاً، فرقعة إعلامية أخرى، الهدف منها توسيع الحديث عن إجراءات ترامب، وخروقاته للاصطفافات والعداوات، وقابليته لإدارة المخاطر، حتى بالاستيراد من الخصم والعدو. الأثر الفعلي أكثر انخفاضاً من هذه النقطة بما لا يُقاس.
والأكثر دلالة أن البيت الأبيض أصدر في الـ 16 من تشرين الأول-أكتوبر الحالي قراراً باستخدام صلاحيات الإعفاء من عقوبات إضافية مرتبطة بروسيا وإيران.



