اخر الأخباراوراق المراقب

في ذكرى مولد العقيلة.. زينب الصبر على طول الخط

محمد علي جواد تقي..

ربما تكون الفرحة والبهجة في ساعة ولادتها هي الأولى والأخيرة في حياة عقيلة بني هاشم؛ السيدة زينب ابنة أمير المؤمنين، عليهما السلام، فقد عمّت الفرحة بيت الرسالة ومهبط الملائكة بأول مولود من بنات حواء بين يدي علي وفاطمة، ويا لها من فرحة أن تكون زينب مصداق حديث حفيد رسول الله الإمام الصادق عليه السلام: “البنات حسنات، والبنون نِعمة، فالحسنات يُثاب عليها، والنعمة يُسأل عنها“.

ولكن ماذا حدث بعد ولادة السيدة زينب ياترى؟

وماذا حلّ بالابتسامات الرقيقة في تلك اللحظات البهيجة؟

شاءت الأقدار أن تكون مسيرة حياة العقيلة زينب محفوفة بالأحزان والمكاره والمُنغّصات،وكلها من سنخ الابتلاءات الإلهية لأوليائه الصالحين، فهي من بيت يحمل لواء الرسالة السماوية الخاتمة، وما تقتضيه من تحمّل مختلف أشكال الضغوط والرزايا في طريق ذات الشوكة التي مضى عليها الانبياء والمرسلون والأولياء الصالحون كما يحدثنا عنهم القرآن الكريم، ولا غرو أن تكون حفيدة الرسول على خط الابتلاء الإلهي هذا عن طيب خاطر وإيمان عميق.

المائز في سيرة هذه السيدة العظيمة التي نسميها في الأدب الحسيني بـ “جبل الصبر” مجازاً للضرورة وحسب، وإلا فإن الجبل “لما يُقد منه وقلب المؤمن لا يُقد منه”، أنها لا تبرح الحزن والأسى طوال حياتها، ربما ما خلا بعض المناسبات العابرة لأهل بيت النبوة مثل الزواج والولادات، بيد أن الخط الرئيس هو الابتلاء بسبب ما تجني أيدي أبناء هذه الأمة على أهل بيت نبيها، فقد شهدت استشهاد جدّها المصطفى وهي في الخامسة من عمرها ، وبعد أيام قلائل تشهد المصائب العظام على أمها الزهراء، وعلى أبيها أمير المؤمنين، من فاجعة اقتحام الدار، والاعتداء على ابنة رسول الله، وغصب حقها، ونكث بيعة الغدير، وإجبار أمير المؤمنين على البيعة للانقلابيين تحت حدّ السيف، ثم استشهاد أمها في أجواء مشحونة بالإرهاب والقمع.

– في فترة الخمس وعشرين سنة التي قضاها أهل البيت بعيدين عن الساحة السياسية، لم يكن سهلاً تقبّل التثقيف الخاطئ من رجال السلطة والدولة الجُدد بكل ما هو مغاير لسُنّة رسول الله، وثقافته ومنهجه السماوي، ومن المؤكد تطبّع الناس على “دين ملوكهم”، وهجران الأخلاق، والوجدان، والحُب، واستبدال كل هذا بالثقافة الجاهلية التي ضحى رسول الله والأخيار من أصحابه من أجل القضاء عليها نهائياً، مثل؛ ثقافة القسوة، وحبّ المال، وعبادة الذات، وانتهاك حقوق الآخرين، فكانت زينب، تلك الفتاة الصغيرة المميزة في أخلاقها وسلوكها، تجد نفسها غريبة وسط جمهور النساء ذلك ، والمجتمع بشكل عام في المدينة بموقفهم المتخاذل في مسجد النبي الأكرم خلال إلقاء تلك الخطبة الفدكية الصاعقة، وردّهم المُخجل على تذكيرهم ببيعة الغدير لأمير المؤمنين، وهي تجوب بيوت المهاجرين والانصار بأن “لو جاء ابن عمّكِ قبل هذا لما عدوناه”! ومن ثمّ تبرّمهم الغريب من بكاء أمها على رسول الله، وخاتم الانبياء والمرسلين، وهم نيام مستريحون في بيوتهم، ومطالبتهم أمير المؤمنين بأن تكفّ الزهراء عن البكاء لأنها تسبب تصدّعهم!.

– أصبحت ابنة الزعيم الأعلى للدولة الاسلامية –ظاهرياً- وهو خليفة رسول الله منذ الأيام الأولى من الدعوة الى التوحيد، بيد أنها لم تكن مثل سائر الفتيات من “بنات الامتيازات والمناصب العليا”، ممن كُنّ يعبثن بآلاف الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، ومختلف أشكال البذخ والترف، وإنما كانت ابنة المعهود منه: “ألا وإن أمامكم قد اكتفى من لباسه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه”، ولا همّ لها بشظف العيش، فهي الناظرة الى أفق الحياة الدنيا وعواقبها وخواتيمها {إن العاقبة للمتقين}، إنما الغُصّة في القلب ممن يتسبب في الانحراف والجحود والتنكّر لفضل أهل بيت رسول الله على الأمة، ولتكون شاهدة على المصائب الجمّة التي حلّت بأبيها أمير المؤمنين، من أول قدم تزل في جماعة الناكثين (جماعة الجمل)، مروراً بالقاسطين (جماعة معاوية)، والمارقين (جماعة الخوارج)، وحتى لحظة تهديم أركان الهدى على يد أشقى الآخِرين، وتلوّن محراب الصلاة بدماء وليد الكعبة.

– لا حياة هانئة لزينب وسط الدسائس والمؤامرات والاستفزازات الأموية رغم الهدنة التي وقعها الإمام الحسن المجتبى مع معاوية طيلة عشر سنوات، فكانت تعيش في ظل حرب باردة بين جبهة الرسالة المحمدية، وجبهة الانحراف والتضليل الأموي، حتى حانت لحظة الغدر بالإمام المظلوم على يد أتباعه وعلى يد أعدائه في الوقت ذاته، فبعد أن شهدت إصابة أبيها في رأسه بسيف ذلك الخارجي، ها هي تشهد في عزّ شبابها إصابة أخيها بالسمّ على يد زوجته الخائنة.

– ولم تمضِ عشر سنوات حتى يحين موعد المواجهة الكبرى بين جبهة الحق وجبهة الباطل في كربلاء، وتكون شاهدة على الملحمة الخالدة، فهي لم تهتزّ لمشاهد القتل والسحق وقطع الرؤوس، وغيرها من الجرائم المريعة، بقدر ما هالها استسهال تلك الجرائم من قوم يدَّعُون الإسلام، ويهرعون الى المساجد بعد ظهيرة العاشر من المحرم سنة 61للهجرة لأداء فريضة الصلاة، ثم يصومون في شهر رمضان، وقد قالتها للعالم وللأجيال: “ما رأيتُ إلا جميلا”، فالجميل الذي رأته السيدة زينب؛ التضحية، والبطولة، والصبر على البلاء الذي تجسّد في شخص الامام الحسين، عليه السلام، وإخوته، وأهل بيته، وأصحابه المُصطفين الأخيار.

إن حفيدة رسول الله لم تصبر حتى لا تجزع أمام مشاهد الأوصال المقطعة لأخيها الإمام الحسين، ومن استشهد دونه، فهي “العالِمة غير مُعلّمة، والفَهِمة غير مُفهّمة”، كما وصفها الإمام زين العابدين، عليه السلام، إنما صبرت على مرارة الصمت القاتل لأفراد الأمة من عامة المسلمين، ومن خاصتهم ممن رأوا رسول الله، وسمعوا كلامه، وشهدوا مواقفه وسيرته، ومن شهد عدل وسماحة أمير المؤمنين خلال فترة حكمه، رغم ذلك، شهروا سيوفهم بوجه الرسالة السماوية استجابة لنداء المال، والعقار، الجاه، والتعيين في دوائر السلطة.

– صبرٌ يتحول الى مؤسسة إعلامية كاسحة لجهاز الدعاية الأموية، فهي لم تستغرق في البكاء والنحيب واستخدام لغة العاطفة كامرأة لاستمالة الناس، وإنما انطلقت في مشروع التوعية والتثقيف على ضلالة الحكم الأموي، وأحقية أهل بيت رسول الله في إدارة شؤون الأمة وجدارتهم الحضارية، فكانت تشرح، وتبيّن، وتكشف الحقائق للناس في المدينة منذ الايام الأولى لعودتها من كربلاء، ولنتصور مدى قوة هذه المؤسسة الإعلامية المتجسد في شخص امرأة ثكلى بإخوتها وأبناء إخوتها وأهل بيتها، وهي تفتقد المال لشراء الشعراء –صُحفيو ذلك الزمان- ولا لعقد الندوات الباذخة، وتسيير التظاهرات العارمة، واستمالة المُعجبين، وهو جميعاً وغيره كان في أيدي الأمويين، لكنها لم تسعفهم في تبرير سهم واحد رموه على معسكر الإمام الحسين، فضلاً عن سائر الجرائم المروعة من قتل الرضيع، وقتل الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس بتلك الطريقة المفجعة، وحرق الخيام وترويع النساء ثم سبيهنّ، لتكون الصاعقة التي فجرت نظام حكمهم في وقت مبكر، فيما انطلق شعاع النهضة الحسينية، والكلمة الزينبية الى آفاق العالم، والى الأجيال مهما طال الزمن.

– وإذن؛ نحن نحتفل ونبتهج لذكرى مولد العقيلة زينب، كونها جسّدت شخصية المرأة التي حولت بصبرها العظيم الحزن والابتلاء والضغوط الى شعور عارم بالقوة والأمل في تغيير الواقع الفاسد للأمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى