فيما يقال ولا يقال ..

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
أسرار كثيرة تستوطن الذاكرة وتتربع على شغاف القلب في خزينة الوجدان دون أن ترى النور، وجمل من مفردات ثقال قد تُقال على استحياء ثم تُدفن تحت سوء الفهم أو لا تُقال . فيما نُعلنه بين جدران التردد وما ندَّخره في صدورنا خلف آهات الأسى مسافة طويلة هي ذات المسافة بين أن نكون أو لا نكون .. بين القناعة والتعجب والعُجب وما يعنيه الخبر وكل دواعي السبب أو بين الحقيقة والتأويل . ولهذا لا نتفاجأ حين نكتشف بعد حين أو نعترف بعد حين أن هناك الكثير مما لم يُقل , ليس لأن الحقيقة غائبة أو بعيدة عن مساحة الإدراك بل لأن الكلام خصوصا لدينا قد يُكلف ما لا يُطاق . علينا أن نُقرَّ بأن ما لا يُقال قد لا يكون دوما خلافا لمصداق الحقيقة . قد يكون صمت الملزم قسرا تحت سطوة الزمن القاهر والجهل المشاع وأغلبية الفوضى . صمت من يعرف كل شيء لكنه حائر إذ لم يجد صدرا رحبا يسع مفردات الحقيقة والحق وواحة آمنة للتبليغ . صمت من دفع ثمن شكّه بنبرة منخفضة في سؤال بسيط عن صحة ما يراه ويسمعه ويلمسه أم هو الوهم في دنيا التفاهات ؟ صمت من يقول الحق فيخشى تهديدا إثر تهديد وتلميحا إُثر تلميح فيلتزم الصمت لأنه بين خيارين لا ثالث لهما فإمَّا الصمت أو الصمت . هو حتى وإن قال أو كتب لا يسمعه إلا متفضل في ساعة مزاج ولا يفهمه إلا ذو حظ عظيم . حتى يذوب الحدث في ذهن المتلقي ويغدو أمرا معتادا وأثرا بعد عين . وإن تركنا أنين الأسى في ذات المتكلم ، وجئنا لأخطر ما لا يُقال فيما يرتبط بمصير أمة وحال شعوب وحقوق تُسلب وإيقاف نزيف ونهب وردع من يعيثوا في الأرض خرابا من توافه النفاق ومافيات الفساد وأصنام الجهل وأسوأ خلق الله حتى يصبح تبرير الفشل أهم من معالجة الأسباب . فتتكرر الأعذار من تقنية لا تعمل الى عدم كفاية المتبنّي إلى استثنائية الظرف . لكن السؤال يظل ذات السؤال , لماذا تتحول الأزمات إلى قدر متراكم وبؤس متواتر بدل أن تكون درسا وعبرة ؟ يبدو أن التكتم والصمت على ما ينبغي أن يقال يصنع طمأنينة زائفة لكنه تسليم لواقع يؤدي للضياع . حين يُحرم الجمع من التفاصيل الصحيحة وماهية الحقيقة يعيش في زمن الضباب فيملأ الآخرون الفراغ بالتخمين . وعندما ينتشر التخمين تتفشى الظنون وتصبح الثقة عُملة نادرة تُتداول بنقص دائم . هنا تبرز الحاجة إلى خطاب شفاف لا يجلد أحدا لكنه لا يهادن الباطل . أخيرا وليس آخرا نقول ربما لا يوجد سر واحد لا يُقال بل شبكة من أسباب متداخلة بين خوف ومصالح وغياب مساءلة وموت ضمير . ومع ذلك فإن تحويل الصمت إلى نقاش مسؤول لا يعني الفوضى بل يعني حماية الإنسان من تكرار الخطأ. وفي مثال واحد لا أكثر فإن قتل المئات من الأبرياء في اليمن بقصف السعودية لمطار صنعاء والمدارس ومجالس العزاء والمستشفيات في اليمن أمر حلال ومقبول ،أما الرد بقصف مطار الرياض فأمر حرام ومرفوض من جميع دول العالم وعلى رأسها دول يشد الرحال رؤساؤها الى الرياض لتأييد آل سعود والتنديد باليمن ، ختاما لا نطلب الكلمة إنما نطلب الحق في الفهم . لأن ما لا يُقال اليوم غالبا ما يعود غدا كنزف وألمٍ لا نملك له تفسيرا . لستُ أدري إن كنتُ قد قلتُ بعض مما لا يقال وهل نال قولنا فهم الآخرين ، لكنها بأي حال هواجس الذات التي لابد أن تُقال .



