تاريخ الأمة بين معجزتي العبور والطوفان

بقلم: عماد الحطبة..
تعبق ذاكرة تشرين بالمعارك التي تركت بصماتها في تاريخنا. فمن العبور في 6 تشرين الأول 1973 إلى 7 تشرين الأول 2023، كتبت أمّتنا تاريخاً من النضال والصمود، بسواعد جنود ومقاومين عرفوا أنّ المقاومة قدر واختيار، فساروا على طريقها ليصنعوا حكايات مجد ما زلنا نتغنّى بها.
بين هذين التاريخين، حاول العدو وتابعوه نشر اليأس بين أبناء الأمّة، وتصوير جيوشه ومخطّطاته كأنّها قدر لا يُقهر. وكانت حرب حزيران قد بدت لأعداء الأمّة قتلاً لحلم الوحدة وفكرة القوّة والاستقلال، فجاء عبور 6 أكتوبر ليقول إنّ البطولة تولد من رحم الأزمات، وجاءت بطولات الجيشين العربيين، المصري والسوري، لا لتهزم الجيش الذي قيل إنّه لا يُقهر فحسب، بل لتزرع في نفس كلّ من آمن بالتحرير والوحدة عزماً وإرادةً للبناء، بهدف تحقيق النصر المرجوّ.
رغم أنّ خيانة السادات حوّلت النصر العسكري إلى هزيمة سياسية، فإنّ العزم الذي تولّد في النفوس لم يفتر، فكان اشتداد عود المقاومة في لبنان ثمرةً من ثمار ما حدث يوم العبور. لكنّ العدو لم يغيّر خطّته القائمة على إضعاف روح المقاومة، فكان اجتياح لبنان عام 1982، الذي هدف إلى إنهاء ظاهرة المقاومة وجرّ لبنان إلى مستنقع كامب ديفيد، من خلال اتفاق 7 أيار. لكنّ المقاومة انبثقت من رحم المعاناة، فكانت جبهة المقاومة اللبنانية “جمول”، وحزب الله، وانتفاضة الحجارة، وصولاً إلى مجد التحرير عام 2000.
لم يتوقّف التحالف الاستعماري عن محاولاته، من أوسلو ووادي عربة إلى مبادرة السلام العربية في قمّة بيروت عام 2002، التي طرحت للمرّة الأولى مصطلح التطبيع مع العدو الصهيوني. وجاء الردّ من مخيّم جنين، الذي وقف شامخاً في وجه عملية “السور الواقي”، فكان الصمود الأسطوري الذي أذهل العالم. ثم جاءت حرب تموز 2006 لتكون أبلغ ردّ على ما تضمّنته تلك المبادرة من خذلان واستسلام، فكانت هزيمة العدو جليّة للعيان، وتجسّد وعد المقاومة الصادق في رجال حزب الله الذين صنعوا ذلك النصر.
استطاعت المقاومة، بعد حرب تموز 2006، فرض معادلة ردع مع العدو على الجبهة اللبنانية، في وقت اشتعلت فيه الجبهة الفلسطينية. وشهدت الفترة بين عامَي 2008 و2022 عدّة معارك بين المقاومة الفلسطينية والعدو الصهيوني، أبرزها:
-عملية “الفرقان” (“الرصاص المصبوب”) عام 2008.
-عملية “حجارة السجّيل” (“عمود السحاب”) عام 2012.
-عملية “العصف المأكول” (“الجرف الصامد”) عام 2014.
-عملية “سيف القدس” (“حارس الأسوار”) عام 2021.
-عملية “وحدة الساحات” عام 2022.
في الوقت الذي كان فيه حلف التخاذل العربي يهرول نحو معسكر العدو، ويعقد الاتفاقيات ويفتح سفارات للعدو في العواصم العربية، كان حلف المقاومة يتشكّل بعيداً عن عيون الأعداء، وكانت المقاومة في فلسطين تتحضّر بدعم من سوريا وإيران وحزب الله.
جاءت ساعة الحسم فجر السابع من تشرين الأول 2023، عندما غمر طوفان المقاومة أرض جنوب فلسطين، ووصل المقاومون إلى نقاط في العمق الفلسطيني لم تطأها أقدام جندي عربي منذ عام 1948. وأثمر العمل المشترك بين أطراف محور المقاومة، فدخلت المقاومة من لبنان واليمن المعركة، مشكّلةً جبهة إسناد ساعدت على صنع أسطورة صمود غزة والمقاومة فيها.
بعد سقوط الدولة الوطنية السورية، واستشهاد سماحة سيّد شهداء الأمّة، السيّد حسن نصر الله، وقبول المقاومة في لبنان وغزة بوقف إطلاق النار، الذي لم يلتزم به العدو ولو للحظة واحدة، خرجت الأفاعي من جحورها تبثّ سمّ الهزيمة، وكأنّ أصحاب هذا الخطاب لا يقرأون التاريخ إلا بعين المهزومين.
جاء العدوان الصهيوني الأميركي على إيران، واستشهاد قائد الثورة الإمام علي خامنئي، لينعشا آمال الحلف الإمبريالي الرجعي في كسر شوكة المقاومة وفرض الهيمنة الكاملة على منطقتنا. ومرّة أخرى، يلقّن التاريخ هؤلاء درساً، فيأتي الردّ العسكري الإيراني صاعقاً، وتفقد الولايات المتحدة ثقة أقرب حلفائها، وينهض الفينيق اللبناني ليوجّه إلى العدو ضربات قاصمة، ويجد أبطال اليمن مكانهم في المعركة، فيحرّرون باب المندب من مرتزقة السعودية.
اليوم تتجدّد المحاولة، سواء باتفاق الإطار بين لبنان والعدو الصهيوني، أو بحلف مكّة الذي تدخّل لإنقاذ السعودية من مأزقها في اليمن، أو بالحصار المجرم الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران. يطرب ضعاف النفوس لما يحدث، وتهلّل قنواتهم الإعلامية، مبشّرةً مرّة أخرى بهزيمة محور المقاومة. أمّا جمهور المقاومة، من الكادحين المؤمنين بالله والوطن والكرامة، فيقرأ التاريخ جيّداً، ويعلم أنّنا نسير إلى الأمام على طريق القدس. وبغضّ النظر عن نتيجة معركة هنا وأخرى هناك، فإنّ عبوراً آخر وطوفاناً آخر آتيان لا محالة.



