السلام مع “إسرائيل”.. وهم لبناني أم خيار إسرائيلي؟

بقلم: ليلى نقولا..
في دراسة حديثة نشرها تامير هايمان، المدير التنفيذي لـ”معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” (INSS)، يعرض الكاتب “مفهوماً أمنياً جديداً” لـ”إسرائيل”، لم يُكتب بعد، لكنّه يُطبَّق عملياً، ويربط بين التحوّلات الأمنية والتحوّلات المرتبطة بالهوية.
وتقول الدراسة إنّ المفهوم الأمني الجديد يعيد تعريف العلاقة بين الأمن والحرب والسلام في الفكر الإسرائيلي، وإنّ “إسرائيل” لم تعد ترى في السلام هدفاً استراتيجياً دائماً، بل تنظر إليه بوصفه ترتيباً مؤقّتاً، فيما يُنظر إلى الصراع باعتباره حالة مستمرّة ينبغي إدارتها لا إنهاؤها.
ويقول هايمان إنّ أحد العناصر الأساسية للمفهوم الأمني الجديد هو الانتقال من النظر إلى الحرب بوصفها حالة استثنائية إلى اعتبارها عنصراً بنيوياً ودائماً في الأمن القومي الإسرائيلي. ويحدّد الكاتب، على وجه الخصوص، مبدأً يسمّيه “الحرب بوصفها حالة تأسيسية”، موضحاً أنّ الحرب تصبح ضرورية للأمن القومي، وأنّ السلام لا يمكن أن يحلّ محلّها، لأنّه، في هذا التصوّر، ليس غاية بحدّ ذاته، بل مجرّد وسيلة مؤقّتة. كما يربط هذا الاتجاه بفكرة أنّ السعي الطويل إلى التسويات والسلام كان جزءاً من “الخطأ المفاهيمي” الذي أدّى إلى كارثة 7 أكتوبر. ولذلك، تصبح الحرب الوقائية والمبادرة العسكرية المستمرّة أكثر جاذبية في التفكير الأمني الجديد.
يدفعنا ما يطرحه هايمان مباشرةً إلى النظر في التصوّرات التي تطرحها بعض الفئات اللبنانية بشأن فكرة “السلام مع إسرائيل”، ومفادها أنّ الجانب الإسرائيلي يهدف إلى حماية أمنه، لا إلى الاحتلال الدائم، وبالتالي يمكن أن ينسحب من لبنان إذا عُرضت عليه اتفاقية سلام مفيدة.
في هذا الإطار، وانطلاقاً من التغيّرات التي طرأت داخل “إسرائيل”، والتي ينقلها الباحث نفسه، يصبح من الضروري إعادة النظر في التصوّرات اللبنانية التي تستند إلى الاتفاقيات التي عقدتها “إسرائيل” مع كلّ من مصر عام 1978 والأردن عام 1994.
يكمن الاختلاف في أنّ النخبة الإسرائيلية الحاكمة، يميناً ويساراً، كانت تؤمن، حين وقّعت مصر اتفاقية “كامب ديفيد”، بأنّ السلام مع أكبر دولة عربية يشكّل هدفاً استراتيجياً بحدّ ذاته. وينطبق الأمر نفسه على معاهدة “وادي عربة”، التي جاءت في سياق مرحلة كاملة قامت على الاعتقاد بأنّ اتفاقيات السلام والاندماج الإقليمي والتسويات السياسية تشكّل جزءاً من الأمن القومي الإسرائيلي.
كانت التصوّرات السائدة في “إسرائيل” آنذاك تعتبر أنّ السلام ينتج الأمن. أمّا اليوم، فيدور النقاش داخلها حول فكرة مختلفة تماماً: الأمن ينتج الأمن، والقوّة تنتج الأمن، أمّا السلام فليس أكثر من أداة مؤقّتة قد تُستخدم حين تخدم المصالح الإسرائيلية.
لا يكمن الخطأ في بعض النقاشات اللبنانية في الدفاع عن السلام أو معارضته، بل في افتراض أنّ الطرف الإسرائيلي ما زال ينظر إليه بالطريقة نفسها التي نظر بها إلى كامب ديفيد أو وادي عربة. وبالتالي، قبل البحث فيما يمكن أن يقدّمه لبنان أو يحصل عليه، ينبغي أولاً التحقّق ممّا إذا كانت “إسرائيل” نفسها ما زالت تعتبر السلام هدفاً استراتيجياً يستحقّ تقديم أثمان مقابله.
والأهمّ من ذلك أنّ استطلاعات الرأي الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة كشفت ظاهرة لافتة: غالبية الإسرائيليين تؤيّد استمرار الحرب، لكنّها، في الوقت نفسه، لا تعتقد أنّ هذه الحرب ستنتج سلاماً دائماً أو استقراراً طويل الأمد. وهنا تكمن الدلالة الأهمّ: فالمجتمع الذي يدعم الحرب من دون أن يتوقّع منها تسوية سياسية، لا يدعمها بوصفها جسراً نحو السلام، بل باعتبارها آلية لإدارة صراع يُنظر إليه على أنّه غير قابل للحلّ. وهذه مسألة تختلف جذرياً عن المناخ الفكري والسياسي الذي أنتج كامب ديفيد أو وادي عربة، حين كان يُنظر إلى السلام بوصفه امتداداً طبيعياً للإنجاز العسكري، لا نقيضاً له.
في ظلّ هذه المقاربة، لا يبدو السلام مع لبنان مشروعاً استراتيجياً جذّاباً لـ”إسرائيل”، بالمعنى الذي كان عليه السلام مع مصر بعد حرب عام 1973. فـ”إسرائيل” الحالية، التي ترى في الصراع حالة دائمة، لا تحتاج إلى سلام تاريخي، بل إلى ترتيبات أمنية تؤمّن تفوّقها وحرية حركتها واستمرار احتلالها للأرض بذريعة “الدفاع المتقدّم”.
وهنا تحديداً تتباين المقاربتان اللبنانية والإسرائيلية في النظر إلى اتفاق الإطار بين الطرفين. فالسلام الذي يتحدّث عنه بعض اللبنانيين يقوم على افتراض وجود شريك إسرائيلي يرى في إنهاء الصراع مصلحة استراتيجية عليا، أمّا النقاش الإسرائيلي الحالي فيدور حول كيفية إدارة صراع طويل الأمد، لا حول كيفية إنهائه.



