النموذج الصيني بين طموح الدولة وتوقعات المجتمع

بقلم: شاهر الشاهر..
تعيش الصين مرحلة دقيقة من تأريخها الاقتصادي والاجتماعي، فالنجاح الذي حقّقته خلال العقود الماضية بدأ يغيّر طبيعة توقّعات المجتمع من الدولة.
نشأت أجيال كاملة في ظلّ الفقر النسبي، ثم شهدت تحوّل بلادها إلى قوّة صناعية وتكنولوجية كبرى، وأصبح تحسّن مستوى المعيشة جزءاً من تجربتها الشخصية. أمّا الجيل الجديد، الذي وُلد في الصين الصاعدة، فقد ورث إنجازات لم يكن عليه أن يخوض المعارك نفسها التي خاضها آباؤه لتحقيقها، ولذلك بات يقيس النجاح بمعايير مختلفة تتّصل بالاستقرار والوقت والفرص وجودة الحياة.
تتمثّل إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الصينية في أنّ التنمية التي رفعت سقف الطموحات الاجتماعية أصبحت اليوم مطالَبة بتلبية توقّعات أكثر تعقيداً. حين كان المجتمع يخرج من الفقر، كان توفير المسكن والغذاء والعمل يمثّل تقدّماً ملموساً يصعب إنكار أهميته. أمّا بعد اتّساع التعليم وتحسّن الدخل وانتشار التكنولوجيا، فقد أصبح الشباب يتطلّعون إلى وظائف تتناسب مع مؤهّلاتهم، وإلى حياة لا تستهلكها المنافسة المهنية، وإلى مستقبل يستطيعون التخطيط له بثقة.
هكذا يتحوّل النجاح الاقتصادي، مع مرور الوقت، إلى مصدر لتوقّعات جديدة لا يستطيع الاقتصاد تلبيتها بالوتيرة نفسها التي اعتادها المجتمع. تساعدنا هذه المفارقة على فهم التحدّي الذي تواجهه الصين اليوم. فقد بلغ متوسّط الدخل المتاح للفرد 22,981 يواناً خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة اسمية قدرها 5.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما ارتفع الإنفاق الاستهلاكي للفرد بنسبة اسمية بلغت 3.7%.
قوّة التكنولوجيا وحدود الاقتصاد
تراهن الصين على التكنولوجيا المتقدّمة والذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة الجديدة، باعتبارها ركائز أساسية لموقعها في النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
يستند هذا الرهان إلى منطق استراتيجي واضح: فالدول التي تمتلك التكنولوجيا والمعرفة الصناعية المتقدّمة تستطيع تقليل اعتمادها على الخارج، ورفع إنتاجيتها، وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
أثبتت التجربة الصينية أنّ الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية والتعليم والتصنيع قادر على نقل دولة ذات قاعدة إنتاجية واسعة إلى مواقع متقدّمة في قطاعات كانت حكراً على اقتصادات أكثر تقدّماً.
لكنّ نجاح الاستراتيجية الصناعية لا يعني بالضرورة أنّ آثارها الاجتماعية ستكون متوازنة تلقائياً. فالمصنع الذي يستبدل عدداً من عمّاله بأنظمة آلية قد يرفع الإنتاجية ويخفض تكاليف الإنتاج، لكنّه لا يخلق بالضرورة وظائف جديدة بالعدد نفسه أو بالشروط نفسها. والشركة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهام كانت تحتاج إلى فرق من الموظّفين قد تحقّق مكاسب تنافسية كبيرة، فيما يجد الخرّيجون الجدد صعوبة في دخول سوق العمل.
لذلك، لا يمكن قياس نجاح التحوّل التكنولوجي بحجم الاستثمارات أو عدد براءات الاختراع أو القدرة على إنتاج رقائق أكثر تقدّماً فقط، إذ ينبغي النظر أيضاً إلى نوعية الوظائف التي يخلقها، وإلى توزيع ثماره بين الشركات والعاملين والمناطق المختلفة.
تظهر أهمية هذه المسألة في بيانات سوق العمل الصينية. فقد ارتفعت بطالة الشباب في المدن، ضمن الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً، باستثناء الطلاب، إلى 18.9% في آب 2026، مقارنة بـ17.9% في تموز، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء التي نقلتها رويترز. وفي الفئة العمرية بين 25 و29 عاماً، ارتفع المعدّل إلى 7.5%.
الدولة والمجتمع في العقد الصيني الجديد
تكمُنُ خصوصية التجربة الصينية في أنّ الدولة تمتلك قدرة واسعة على توجيه الموارد نحو أهداف استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما مكّنها من بناء بنية تحتية ضخمة، وتطوير صناعات متقدّمة، وتنفيذ مشروعات لا تستطيع الأسواق وحدها ضمان استمراريتها.
لكنّ هذه القدرة نفسها تضع على عاتق المؤسّسات العامة مسؤولية الموازنة بين الأولويات الوطنية الكبرى والتوقّعات اليومية للمواطنين.
قد تنظر الدولة إلى قطاع معيّن باعتباره ضرورياً للأمن القومي أو للاستقلال التكنولوجي، بينما ينظر الشاب إلى مستقبله من زاوية أبسط وأكثر مباشرة: هل يجد وظيفة مستقرّة؟ وهل يستطيع تأمين مسكن وتكوين أسرة؟ وهل يحصل على مقابل عادل للسنوات التي أمضاها في التعليم والتدريب؟
لا يمكن اختزال هذه التوقّعات في نزعة فردية أو تأثّر بالأنماط الغربية للحياة، فهي جزء طبيعي من تطوّر المجتمع نفسه. فكلّما ارتفع مستوى التعليم واتّسعت المعرفة وتنوّعت التجارب، ازدادت قدرة الأفراد على مقارنة الخيارات وتقييم المؤسّسات والسياسات وفقاً لتأثيرها في حياتهم.
يحمل الشاب الصيني شعوراً قوياً بالانتماء إلى بلاده واعتزازاً بما حقّقته من تقدّم تكنولوجي وصناعي، ويطالب، في الوقت نفسه، بفرص أفضل للعمل، وبوقت أطول للحياة الشخصية، وبقدر أكبر من اليقين الاقتصادي.
لا يوجد تناقض ضروري بين هذه المطالب والطموح الوطني، بل إنّ الاستجابة لها يمكن أن تعزّز ثقة المجتمع بمشروع التنمية نفسه.
تواجه الصين هنا مسألة أعمق من إدارة دورة اقتصادية صعبة، تتعلّق بتعريف الرفاه في مجتمع انتقل، خلال فترة تأريخية قصيرة، من أولوية تأمين الحاجات الأساسية إلى البحث عن نوعية حياة أفضل.
لقد نجحت الأجيال السابقة في بناء الصين التي كانت تحلم بها، لكنّ نجاحها غيّر أحلام الأجيال اللاحقة. وهنا تكمُنُ المفارقة: فكلّما ارتفعت قدرة الدولة على الإنجاز، ازدادت مسؤوليتها عن تحويله إلى حياة أفضل، فالقوّة التي لا تنعكس على ثقة المجتمع تظلّ ناقصة، والنموّ الذي لا يوسّع خيارات الناس يفقد جزءاً من معناه.
من هذه الزاوية، لن يكون الاختبار الأهم للنموذج الصيني في قدرته على منافسة القوى الكبرى تكنولوجياً فحسب، بل في قدرته على إقناع مواطنيه بأنّ المستقبل الذي تبنيه الدولة يستحقّ أن يضعوا مستقبلهم الشخصي في قلبه.



