معضلة القوة المفرطة والانهيار من الداخل في البنية “الإسرائيلية” المعاصرة

بقلم: أكرم بزي..
تخوض “إسرائيل” واحدة من أكثر مراحل تأريخها تعقيدًا ودقة حيث تقف عند مفترق طرق يضع مجتمعها ومؤسساتها أمام تساؤلات وجودية غير مسبوقة. فعلى الرغم من التفوق العسكري التكتيكي والقدرات التكنولوجية الفائقة التي تحافظ عليها في المواجهات الإقليمية، أظهر تقرير حديث صادر عن أجنحة تفكير “إسرائيلية” بمشاركة أكثر من مئة مفكر وباحث ومسؤول سابق عبر مؤسسات متخصصة مثل “عقل إسرائيل”، قلقًا عميقًا تجاه المستقبل “الإسرائيلي”. وترى هذه النخب أن “إسرائيل” تقف أمام خيارين حاسمين، إما تحويل قوتها إلى أفق سياسي ومؤسسي رصين يضمن استمرارها، أو سلوك مسار التآكل والانهيار من الداخل، لا سيما في ظل غياب التصور المستقبلي والرؤية الاستراتيجية لدى صناع القرار لتخيل شكل “الدولة” بعد عقدين من الزمن، والاعتماد الحصري على فرض الواقع بالقوة وحدها دون ترجمتها إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية.
تعاني البنية الاجتماعية من تصدعات عميقة تتجاوز الخلاف الأيديولوجي حول القضية الفلسطينية، إذ تشمل صراعات ممتدة بين المتدينين الحريديم والعلمانيين و”تل أبيب” والمستوطنات والشرقيين والأشكيناز، يرافق ذلك تراجع ملحوظ في جودة منظومة التعليم الأساسي واتساع الفجوات الاقتصادية. أما على الصعيد الديموغرافي، فإن التوازن السكاني بين النهر والبحر يدفع الحكومة نحو خيارات متطرفة تهدف إلى التضييق والتهجير أو الاستفادة من انتشار الجريمة المنظمة لضرب التماسك الداخلي للمجتمع العربي، بينما توصي الأوراق الاستراتيجية بضرورة صياغة تفاهمات مستقرة مع السلطة الفلسطينية لتجنب الانفجار الكلي.
تتلاقى هذه التحذيرات مع الطرح الذي قدمه رئيس “الكنيست الإسرائيلي” الأسبق إبراهام بورغ الذي يرى أن المشكلة الأساسية تكمُنُ في تحول الحركة الصهيونية من مشروع وطني إلى بنية قومية متطرفة تغلب عليها النزعة العسكرية والشوفينية. ويؤكد بورغ أن الاستمرار في إعطاء الأولوية للسيطرة على الأراضي وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه يقضي بالضرورة على طابعها “الديمقراطي والأخلاقي”، ما يجعل المجتمع يعيش في حالة عزلة أخلاقية ودولية متزايدة تبشر بنهاية المشروع الصهيوني بصيغته الحالية.
يتكامل هذا التحليل مع ما قدمه المفكر والناقد السياسي الراحل نعوم تشومسكي الذي ركز على السياسات التوسعية والدعم المطلق من الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الاعتماد التأريخي على فرض الأمر الواقع بالقوة يمنع الوصول إلى أي تسوية عادلة. ويرى تشومسكي أن الممارسات القمعية وحصار الملايين أدت إلى تحول تدريجي في الرأي العام العالمي ولا سيما بين الأجيال الشابة في الغرب، ما يهدد الغطاء السياسي والعسكري ويضع “إسرائيل” أمام خطر التحول إلى دولة معزولة تعتمد كليًا على أداة القوة في بيئة دولية تزداد رفضًا لهذه السياسات.
تتفق الرؤى النقدية لكل من النخب “الإسرائيلية” المعاصرة وإبراهام بورغ ونعوم تشومسكي على أن التهديد الأكبر لا يكمُنُ فقط في التحديات العسكرية الخارجية، بل في التآكل الداخلي الناجم عن غياب الرؤية السياسية الشاملة والاستمرار في التوسع والتهميش. وإن الاكتفاء بالحلول الأمنية والعسكرية دون معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والديموغرافية يجعل التباين بين التفوق العسكري والاستقرار السياسي معضلة حقيقية تتزايد آثارها بمرور الوقت.



