مسيرة “شواظ”.. سلاح أنصار الله الذي اخترق التحشيدات السعودية

ما زالت أنصار الله تواصل عملياتها ضد الأهداف السعودية، إذ استطاعت القوات المسلحة اليمنية من استخدام استراتيجية جديدة في عملياتها، عبر إدخال أسلحة جديدة فاجأت الجانب السعودي ومن أبرز هذه الأسلحة هي طائرة “شواظ” المسيّرة على خط الخدمة العملياتية للمرة الأولى، والتي استهدفت التحشيدات السعودية المقبلة من اتجاه لحج نحو منطقتي الوازعية وكهبوب المحاذيتين للممر الملاحي الدولي في باب المندب.
وخلال الأيام الماضية عرض الإعلام الحربي التابع للقوات المسلحة اليمنية مشاهد نوعية وثّقت عمليات صدّ وملاحقة التحشيدات السعودية وآلياتها بهذا النوع من المسيّرات التي أظهرت تسجيلاتها المصوّرة خسائر كبيرة في صفوف تلك التحشيدات ضمن نقاط تمركزها الميداني، ما شكّل عائقاً أمام محاولات الاختراق في هذا القطاع الحيوي، ومثّل كابوساً مزعجاً ومرعباً لمن نجا في صفوف أولئك المخدوعين ومن يهمّ بالانخراط معهم في “محارق الموت” خدمة لأجندة السعودية وكيان العدو الإسرائيلي.
نجحت القوات المسلحة اليمنية تكتيكياً في تحويل محاولات الاختراق إلى محارق متنقّلة تلتهم عديد وعتاد التحشيدات السعودية، وقد يكون لهذا النوع من السلاح “طائرات شواظ” والعمليات الاستباقية دور حاسم في هذا النجاح، لكنّنا هنا سنتوقّف عند “شواظ” كسلاح تكتيكي قلب معادلة الميدان وحرب الروايات.
وتُمثّل طائرات “شواظ” نموذجاً للسلاح التكتيكي منخفض التكلفة وعالي المناورة، حيث تُدار عن بُعد مع توفير بثّ مباشر لمسرح العمليات. ولا تقتصر أهميتها على تنفيذ الضربات الهجومية، بل تمتد لتوفير بيانات استطلاع واستخبارات مباشرة حول انتشار العدو وحجم تحرّكاته، مما يمنح القيادة الميدانية قدرة على إدارة المواجهة وفق مبدأ النسبة والتناسب والحدّ من الخسائر البشرية في خطوط التماس.
وفي هذا السياق لا يمكن قراءة المشاهد التي وزّعها الإعلام الحربي لعمليات طائرة “شواظ” قراءة عابرة، بل نرى من المفيد التوقّف عند ما حملته تلك المشاهد من دلالات ورسائل تكتيكية عسكرية واستخباراتية، وما تتميّز به هذه المسيّرات من فاعلية وتأثير ميداني، إضافة إلى التأثيرات النفسية والإدراكية على العدو وعلى مستوى حرب الروايات.
من خلال تحليل المشاهد نستخلص مهام هذا النوع من السلاح التكتيكي على النحو الآتي:
– ملاحقة مباشرة (هجوم): لا تقتصر مهمة “شواظ” على ملاحقة ومطاردة الآليات والمدرّعات، والدشم والمتاريس، حيث أثبتت المشاهد قدرتها على مطارة الأفراد في الميدان، كما أظهرت مشاهد العمليات الأخيرة في كهبوب والوازعية.
– طائرة “شواظ” تقوم بعمل مزدوج عسكري هجومي، استطلاعي معلوماتي استخباراتي تمكّن القوات المسلحة من رصد تحشيدات العدو وانتشاره وعديده وسلاحه… إلخ، وهذا يمكّنها من تحقيق مبدأ النسبة والتناسب وفق ما يتطلّب الميدان.
– توفير الرؤية والرماية عن بُعد وبالتالي، الحدّ من الخسائر البشرية المحتملة لمقاتلي القوات المسلحة في حالة المواجهة المباشرة.
على الصعيد النفسي والإدراكي، خلقت المشاهد الموثّقة حالة من الرعب والردع للعدو تجاوزت الميدان المباشر لتلقي بظلالها على البيئة المحيطة بالتحشيدات.
فقد فرضت هذه المسيّرات واقعاً ميدانياً جديداً أجبر تحشيدات الرياض على الانتقال من نمط “استعراض القوة” بالمواكب كما جرت العادة، إلى التموضع المشتّت والتخفّي الدفاعي بدافع الخوف من هذا السلاح، لكنّ ذلك لم يحمِها أو يحول دون استهدافها، وهذا ما يمكن استخلاصه من مشاهد عمليات “كهبوب” و”الوازعية”؛ إذ كان مُسَيِّر “شواظ” يطاردهم كالأرانب أفراداً وآليات في أكثر من اتجاه وسط حالة من الرعب والهلع تتملّكهم.
ومشاهد “شواظ” وعملياتها هذه الأيام تذكّرنا بالمسيّرات “الانقضاضية” التي استخدمها حزب الله ضد العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان وشكّلت رعباً وكابوساً مؤرقاً للصهاينة حيث لم يقتصر تأثيرها على مقاتلي العدو في الميدان، بل امتد تأثيرها النفسي ليشمل دوائر صنع القرار السياسي والعسكري والقيادات الميدانية على حدّ سواء، ولا شكّ أنّ المسيّرات اليمنية تحمل التأثير ذاته على ضباط وتحشيدات السعودية في الميدان اليمني.
وتُظهر قراءة التطوّرات الأخيرة أنّ العمليات الهجومية الأخيرة أسفرت عن استنزاف ملموس للتحشيدات السعودية بين لحج وباب المندب، واقترنت بضربات صاروخية وجوية سابقة أدّت إلى خسائر واسعة في صفوف التحشيدات السعودية وآلياتها ومدرّعاتها الحديثة أمريكية كانت أو سعودية.
التصوير الذي وثّقته طائرات “شواظ” إلى جانب المشاهد التي وثّقها الإعلام الحربي اليمني أحدث فارقاً في حرب الروايات الإعلامية؛ إذ دحضت التغطيات المصوّرة (بشواظ وبعدسات الإعلام الحربي) الادّعاءات التي روّجتها أجهزة الدعاية السعودية وبعض القنوات العربية حول “فرض السيطرة الكاملة على باب المندب أو التقدّم نحو المخا”؛ ذلك أنّ مشاهد “شواظ” أظهرت تحشيدات الرياض في حالة استنزاف عسكري (قتلى وخسائر) وفي حالة نفسية مرعبة، فضلاً عن أنّ تلك التحشيدات في وضعية هروب ولم تكن في وضعية مؤهّلة لـ “الهجوم والسيطرة”.
وفي حروب الروايات والسرديات، فقد أظهرت العمليات اليمنية الموثّقة من الجو وعلى الأرض، تماسك الميدان والرواية، فحين تعلن القوات المسلحة اليمنية أو مصادر عسكرية عن عملية أو إنجاز تعزّزه بالمشاهد فإنّ هذا يكسبها مزيداً من الإقناع، وأدّى هذا التوثيق المصوّر دوراً محورياً في تفكيك الروايات الإعلامية المضادة، وأكد التفوّق الميداني والنفسي للقوات المسلحة في إدارة مسرح العمليات.
على عكس الطرف الآخر الذي تجاوز “القوبلزية الدعائية” وبات يكذب أكثر مما يتنفّس، ويعمد إلى ما أسماه الفيلسوف الفرنسي بورديو “تزوير الوقائع” و”صناعة الواقع” بدعايات درامية سمجة ومكرّرة من دون أية مشاهد، كما اتضح الأسبوع الماضي من خلال ادّعاء أجهزة الدعاية السعودية “السيطرة على باب المندب والتقدّم إلى المخا”، ولم تمضِ ساعات حتى سقطت تلك الدعاية وأصحابها لافتقارها إلى أبسط عناصر الإقناع وإلى الدلائل الحسية والميدانية.



