السنوار بعد عامين.. كيف أعاد السابع من أكتوبر فلسطين إلى العالم؟

بقلم: د. أميرة فؤاد النحال..
مثّل السابع من أكتوبر زلزالاً جيوسياسيّاً ضرب منظومةً كاملة من التصورات والتحالفات والحسابات التي بُنيت على فرضية إمكان تجاوز فلسطين، وإعادة ترتيب الشرق الأوسط من دون حل قضيتها، في ذلك اليوم، عادت المواجهة التي سعت مسارات التطبيع إلى تطويقها في هوامش السياسة الدولية، ليقتحم مركز المشهد، ويضع أسئلة الأمن الصهيوني، ومستقبل الردع، وحدود القوة العسكرية، ومصير الحقوق الفلسطينية في قلب النقاش العالمي.
وبعد عامين على استشهاد يحيى السنوار، لم تعد قراءة الحدث ممكنةً من داخل غزة وحدها؛ فقد امتدت تداعيات الحرب إلى الإقليم، وبلغت المحافل القضائية والدبلوماسية الدولية، وفتحت فجوةً متسعة بين مواقف حكومات غربية وقطاعات من مجتمعاتها، كما أعادت اختبار صدقية الخطاب الدولي بشأن القانون الإنساني وحقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه، دفعت غزة ثمناً إنسانيّاً وعمرانيّاً بالغ الفداحة، لتصبح المأساة نفسها جزءًا من معركة عالمية على الحقيقة والمسؤولية والمحاسبة.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق التفكيك: عاد العالم إلى فلسطين، لكن عودته لم تعنِ بعد أن فلسطين استعادت حقوقها، فالحضور الإعلامي ليس تحريراً، والتضامن الشعبي ليس قراراً سياسيّاً، والمساءلة القانونية لا تتحول تلقائيّاً إلى عدالة على الأرض، وبين اتساع الحضور الدولي واستمرار الوقائع المفروضة بالقوة، تتشكل فجوة بين انكشاف الرواية الصهيونية أمام قطاعات واسعة من الرأي العام، وبين قدرة النظام الدولي على ترجمة هذا الانكشاف إلى تغيير ملموس.
إن مرور عامين على استشهاد السنوار يفرض تجاوز السجال حول الرجل، لا إلغاءه، والانتقال من شخصنة الحدث إلى قراءة أثره في بنية المواجهة، فالسؤال ليس ما إذا كان السابع من أكتوبر قد هزّ “إسرائيل” والعالم؛ وإنّما كيف أعاد ترتيب الأولويات، وما الذي كشفه من هشاشة في معادلات القوة، وما إذا كانت التحولات التي أطلقها قادرة على نقل القضية الفلسطينية من “استعادة الانتباه الدولي” إلى “انتزاع الاستحقاق السياسي”، تلك هي المسافة بين حدثٍ يغيّر جدول أعمال العالم، ومشروعٍ يستطيع تغيير واقع شعبٍ مازال يناضل من أجل حريته وحقه في تقرير مصيره.
حرب غزة ومعركة الشرعية.. من احتكار الرواية إلى انكشاف التناقض الدولي
تحولت غزة بعد السابع من أكتوبر إلى مرآةٍ كاشفة لاختبار صدقية النظام الدولي، فبينما تحدثت عواصم غربية عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، اصطدمت مواقفها السياسية والعسكرية بصور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمرة، وعائلاتٍ تبحث عن مكان آمن في جغرافيا تضيق باستمرار، وهكذا نشأت “فجوة المعيار الدولي”: المسافة بين المبادئ التي يعلنها العالم والقواعد التي يطبقها حين يتعلق الأمر بحليفٍ يمتلك القوة والنفوذ.
لم تعد الرواية الصهيونية تمر بالسهولة نفسها في المجال العام العالمي؛ فقد اتسعت الاحتجاجات، وتزايدت المطالبات بالمحاسبة، وانتقلت المواجهة إلى المؤسسات القضائية الدولية، وفي أيلول 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان نيويورك بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين، ثم اعترفت عشر دول إضافية بدولة فلسطين في الشهر نفسه.
لكن المفارقة الأكثر قسوة، أن انكشاف التناقض لم يمنع استمرار المأساة، ففي تشرين الاول 2026، أكدت الأمم المتحدة أن القتل استمر رغم مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار، وأن أكثر من 1،400 فلسطيني قُتلوا منذ دخوله حيز التنفيذ، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة.
وتتجلى المفارقة في أن الحرب التي كشفت حدود الردع الصهيوني لم تُنهِ التفوق العسكري الصهيوني، كما أن اتساع المواجهة لم ينتج تلقائيّاً توازناً جديداً لصالح الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه، تواجه مشاريع إعادة ترتيب غزة مأزقاً يتجاوز التمويل والإدارة إلى سؤال السيادة: من يحكم القطاع، وبأية شرعية، وتحت أية مرجعية وطنية؟ وقد أشار تقرير الأمم المتحدة الصادر في أيلول 2026 إلى أن ترتيبات المرحلة الانتقالية لم تتحول بعد إلى تعافٍ واسع النطاق، وأن الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح الفصائل لا يزالان من الملفات غير المحسومة.
السنوار بعد عامين.. هل تحولت العودة إلى تغيير في الواقع الفلسطيني؟
هنا يعود السنوار إلى قلب السؤال، بوصفه أحد الوجوه التي ارتبطت بحدثٍ غيّر مسار المواجهة وفتح أسئلةً تجاوزت حدود غزة، بعد عامين على استشهاده، بات واضحاً، أن استعادة فلسطين لموقعها في النقاش العالمي لا تعني استعادة الفلسطينيين زمام مستقبلهم؛ فهناك فرق بين أن تصبح القضية حاضرةً في خطابات الرؤساء والمحاكم والجامعات والميادين، وبين أن تتغير الوقائع التي تحكم حياة أصحابها.
ختاماً.. وبعد عامين، يأتي السؤال: هل يملك العالم شجاعة تحويل عودة قضية فلسطين للواجهة إلى عدالة؟ لقد سقط وهم إمكان تجاوز فلسطين، لكن الاحتلال ما زال يراهن على أن الزمن سيطفئ ما أشعله الحدث، غير أن فلسطين لا تحتاج إلى أن يتذكرها العالم فحسب؛ فلسطين تحتاج إلى أن يتوقف العالم عن السماح باغتيال حقها في الحياة والحرية والدولة، لقد عادت فلسطين إلى الواجهة، والمعركة الآن ألّا تعود إلى الهامش.



