اخر الأخباراوراق المراقب

وهم المثالية.. بماذا يعود على الإنسان؟

عزيز ملا هذال..

لكل عصر من العصور أدواته التي تحقق أهداف أبنائه، وقد تختلف الأدوات من عصر لآخر ومن جيل لآخر، لكن جيل اليوم يريد ان يسبق عصره مسرعاً صوب مجد قد لا يتحقق مهما بلغ حجم المبذول، مما يجعل الانسان المعاصر غارقاً في وهم المثالية التي تبتعد به عن جادة الراحة والأمن النفسيين، فماهي نتائج التوقعات المثالية؟ وكيف يجب ان يفكر الانسان لينجو من آثارها؟.

الانسان في العادة يقهر من مصادر خارجية تجعله مرهقاً ومتبعاً وهذا هو الحال في الحالة الطبيعية، أما اليوم فلم يعد القهر يأتي من خارج الذات فحسب، بل أصبح الفرد ذاته هو السجان والجلاد والضحية في آنٍ واحد، لكونه ساعٍ وراء السراب الذي يصور له الحياة السعيدة ذات الاستقرار الدائم ليجد نفسه في النهاية، غارقاً في مستنقع من خيبات الأمل الصامتة، ومحاصراً بفجوة سيكولوجية ساحقة بين ما هو كائن بالفعل، وما يفترض أن يكون عليه بحسب المعايير الوهمية التي يقبلها في رأسه ولا أساس لها في الواقع.

من الواقع: أحدهم الذي لا يزال متخرجاً للتو من الجامعة باختصاص معين قد يسعفه للدخول في تصنيف متوسطي الدخل ان أحسن التصرف، لكن ما يراه في مواقع التواصل الاجتماعي جعله ينظر الى الحياة بزاوية مثالية الأمر الذي جعله فاقداً للشغف ومنقوص التركيز على عمله الحالي، هذا الأمر أفقده لذة المتعة بما لديه وقد لا يصل الى مبتغاه المثالي وما بين هذا وذاك تضيع الكثير من السنوات والفرص التي لا تتكرر.

من منطلق نفسي يبحث الانسان عن الكمال وان كان نسيباً وهذا ليس عيباً بالمرة، غير البيئة الاجتماعية والنفسية في العصر الحالي مرت بتغيرات جوهرية أثرت بشكل كبير على الحاجات الطبيعية للفرد، فعندما يصبح التواصل البشري عبارة عن استعراض دائم للإنجازات والابتسامات المصطنعة، تفقد البيئة الاجتماعية قدرتها على الاحتضان والدعم، ما يجعلها بيئة تطرد العفوية وتهدد الاستقرار النفسي للأشخاص.

ما عوائد المثالية على الإنسان؟

حين يحاول الانسان ارغام نفسه للعيش في واقع مثالي أو الوصول الى نتائج مثالية في بعض تفصيلات حياته فأنه عند الفشل سيتعرّض الى الآثار النفسية التالية:

أولى الآثار السلبية التي يتعرض لها الانسان هما التوتر العصبي والاحتراق النفسي اللذان يعدان نتيجة السعي المستمر لبلوغ معايير الكمال والتظاهر بالرضا المستمر، حيث يتعرض الجهاز العصبي لاستهلاك كبير من الطاقة، مما يدفع الفرد إلى حالة من الاحتراق النفسي التي تتجلى في شكل خمول عام وفقدان الشغف بالحياة.

ويعاني الفرد الغارق بالمثالية من الإصابة بالقلق الوجودي المزمن وتوقع الأسوأ، إذ يعيش العقل في حالة تأهب وترقب مستمر للتقييم الخارجي، مما يولد قلقاً مستمراً يتعلق بالمستقبل والخوف من الوقوع في الخطأ، أو التخلف عن ركب الآخرين، بل يقلقه تفوق الآخرين عليه في أية تفصيلة من التفاصيل، لان ذلك يجعله يشعر ان حياته قريبة من الفناء.

ومن النتائج أيضاً تراجع التقدير الذاتي وتضخيم الإخفاقات، فقد يفقد الفرد القدرة على رؤية إنجازاته الحقيقية مهما كانت كبيرة، في حين يضخم أية عثرة صغيرة أو فشل عابر ليكون دليلاً قاطعاً على النقص أو الفشل الذريع مما يدمر ثقته بنفسه.

في الختام نقول: ان المثالية لم ولن تتحقق في أي ظرف من الظروف لذا على الإنسان أن يكون واقعياً في حياته وان يتعامل مع الهنات والخسائر والمشكلات على انها عوامل مساعدة على النجاح فيما بعد وليس سبباً للإحباط الذي يبعد الإنسان فاعليته التي يحتاجها لإكمال حياته بدوء وراحة نفسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى