اخر الأخباراوراق المراقب

الإنسان بين الثقافة وبوصلة الفطرة

الإنسان الحقيقي هو من يسعى باستمرار لإثراء روحه وعقله بما يُعرف بـ (ثقافة الحياة الشاملة)، وهذه الثقافة لا تعني التخصص الدقيق في مجالات ضيقة كالسياسة أو الاقتصاد أو الإدارة أو الزراعة، فهذه علوم تخصصية وحرف مهنية يتوزع فيها البشر لحاجة المجتمع وتنظيم شؤون عيشه.

وما نعنيه في نقص الثقافة هنا هو غياب الوعي الكلي والعميق بجوهر الوجود الإنساني وفلسفته، وبطبيعة العلاقات التي تربط الفرد بالكون ومن حوله، لأن ثقافة الحياة هي تلك العدسة الواسعة التي يرى الإنسان من خلالها جمال الأشياء، ويفهم معاني القيم والأخلاق، ويدرك حدود حريته وحرية الآخرين.

إنها القدرة على التفاعل الواعي مع الأحداث، والتعلم المستمر من التجارب، وتنمية الحس الإنساني الذي يعزز التعاطف والتسامح، والقدرة على ردم فجوة التناقض بين ثقافة الإنسان وبوصلته الفكرية والدينية والإنسانية عموما، فمن دون هذه الثقافة الشاملة، يتحول الإنسان إلى مجرد آلة تعمل في قطاعها المحدد دون إدراك للصورة الكبرى.

لأنه سوف يفقد القدرة على التذوق الفني والروحي للجمال والحق والحرية، وغير قادر على استيعاب الدروس العميقة التي تقدمها التجارب البشرية على مَرِّ العصور، وهكذا يتّضح أن بناء هذه الثقافة هو الأساس المتين الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي، ويسمو بالإنسان فوق مستوى البقاء المادي البحت إلى آفاق الفهم الراقي المتكامل.

معايير ومقاييس إثبات الحق

وعندما نحاول معرفة بواطن الإنسان وخبايا المجتمع بشكل عام، علينا أن نفهم الطبيعة البشرية بعمق، ونعرف ما يلائمها وما يتناقض مع جوهرها، فهذه المعرفة تشكل منطلقاً أساسياً لبناء حياة مجتمعية سليمة ومتوازنة، وعندما نتأمل في طبيعة الاجتماع الإنساني، نجد أن الحكم على الأمور لا يستقيم بالانصياع الأعمى لما تفرضه الأكثرية لمجرد كثرتها، فالعدد وحده ليس معياراً للحق وإنما هنالك مقاييس أخرى منها بوصلة الفطرية الإنسانية وإلى أين تشير.

كما أن اتخاذ موقف الحياد السلبي والوقوف في منتصف الطريق تهرّباً من تحمل المسؤولية لا يمثل حلاً صحيحاً، وبالمثل فإن المخالفة الدائمة والتمرد لمجرد المعارضة يقعان في خطأ مماثل لأن المجتمع السليم لا يُبنى على التناقضات العشوائية ولا على التبعية الصمَّاء، بل يُبنى على ما يوافق الفطرة الإنسانية السليمة ويحقق غاياتها العادلة.

لذلك ينبغي للإنسان أن يتجاوز هذه الخيارات الثلاثة المضللة، وأن يبحث بوعي عن الحقيقة ومواضع التوافق مع طبيعته الحقيقية، ليساهم بفاعلية ببناء مجتمع متكامل يحترم العقل والكرامة، بعيداً عن إملاءات الأغلبية، أو سلبية الحياد، أو عمى المخالفة الاعتباطية.

وحتى لا يقع الإنسان ضحية للمواقف المتعجلة، عليه أن يؤمن بأن لكل شأن في هذه الحياة موقعه المناسب وميزانه الدقيق الذي لا يستقيم إلا به، فلا ينبغي إطلاق الأحكام العامة المطلقة على مسألة اتباع الأكثرية أو مخالفتها، وعلينا أن نعرف المعيار الحقيقي والفيصل الثابت الذي تمثله الاستقامة والحق، بعيدا عن موقف الكثرة أو القلة.

فمتى ما كانت الأكثرية تسير على طريق الحق والصواب، فإن اتباعها يُعد واجباً يُسهم بتعزيز النهج القويم وتماسك المجتمع، أما إذا انحرفت الأكثرية عن جادة الصواب واستحسنت الخطأ، فإن مخالفتها تغدو ضرورة أخلاقية وعقلية لحماية الفطرة والضمير، وفي الحالات التي تتداخل فيها الأمور ويختلط الحابل بالنابل، والضياع بين حدود الصواب والخطأ، فإن الواجب يقتضي الفرز الواعي والدقيق، بحيث يُتّبع الجانب الصحيح المنسجم مع بوصلة فطرة الإنسان، ويُترك الجانب المنحرف والمائل.

قواعد راسخة من الاطمئنان واليقين

لقد أودع الله سبحانه وتعالى في كل مخلوق في هذا الكون فطرة خاصة وخاصية تكوينية تدير شؤونه وتحدد مساره، ولم يكن الإنسان بِدْعًا من المكونات، بل جُعلت له فطرة أصيلة وهداية تكوينية تملي عليه ما يتوافق مع روحه وعقله وما ينافر طبيعته النقية، وهذه الفطرة هي الميزان الداخلي الذي يميّز بين الخير والشر والنافع والضار.

فتستريح النفس لما يلائمها وتنفث بجنباتها عمّا يناقض جوهرها، ويتجسد هذا التناغم الكوني الإلهي في قوله تعالى: (قل كلٌ يعمل على شاكلته)، فالشاكلة هي التعبير الدقيق عن الفطرة والسَّجِية التي صِيغَ عليها الإنسان، وتبعا لذلك فإن سلوكيات الفرد واختياراته في الحياة ما هي إلا انعكاس مباشر لطبيعته وبنيته الروحية والإيمانية، مما يجعل العودة إلى الفطرة السليمة والانسجام معها شرطاً أساسياً لتحقيق التوازن النفسي والارتقاء الإنساني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى