الإمام الصادق “ع” يحذر من عواقب الفساد المالي

محمد علي جواد تقي..
“وإياكم أن تَشْره أنفسكم الى شيٍء ممّا حرّم اللهُ عليكم، فإنه من انتهك ما حرّم الله عليه ههنا في الدنيا؛ حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الآبدين“.
البرامج التنموية التي تفتح أبواب الاستثمار على مصراعيها دون تغليب مصلحة الوطن والمواطن على الشركات وأصحاب الرساميل، وعلى الاتفاقيات التجارية الخاسرة والمجحفة لحق البلد، وما أشبه من أعمال الفساد المُبطن بغية الحصول على مكاسب مالية هائلة، كل هذا يلقي بظلاله الكثيفة والسيئة على حياة المواطن، وتحديداً على الكسبة وأصحاب المهن البسيطة تدفعهم لأن ينقذوا لقمة عيشهم من خلال رفع الاسعار، او الاحتكار لضمان نسبة مطمئنة من الارباح، وإن كلّف هذا انتهاك ما يحذر منه الامام الصادق، عليه السلام، في رسالته الى شيعته والمؤمنين طول الزمن، من الانزلاق في مهاوي ما يُطلق عليه بـ “الشَرَه”، وأن ينقاد الانسان بنفسه الشَرِهَة، وقد أوضح العلماء معنى الشره بأنه “شدة الحرص”، و “أسوأ الحرص“.
هذا كان التفسير اللغوي لمفردة “الشره”، أما المعنى الاصطلاحي فهو ينصرف الى شدّة الاهتمام والتعلّق بشيء الى حدود غير طبيعية، ولنا وقفة مع الحديث النبوي الشريف لنعرف خطورة هذه الحالة النفسية: “يشيب ابن آدم وتشبّ معه خصلتان: الحرص وطول الأمل”، مما يدل على خطورة هذه الحالة وإمكانية تحولها الى منهج ونظام يلازم حياة الانسان.
ما الذي يخسره الفاسدون؟
يتصور البعض أن من يأخذ الرشوة، ويختلس أموال الدولة، او يبني ثروته من المال والعقار عن طريق الفساد، بإمكانه العيش في أرقى درجات السعادة؛ له ولأفراد عائلته، لأن بإمكانه فعل ما يريد، وشراء ما يُحب، ولذا نلاحظ ظاهرة الأسف عند البعض –ومع الأسف ايضاً- على ما هم عليه من قلّة ذات اليد، وعدم تمكنهم من امتلاك الدار الكبيرة، والسيارة الفارهة من آخر طراز، والتمتع بكل مباهج الحياة، وهم في هذا واهمون، لسبب بسيط واحد؛ اقتصارهم على الرؤية الظاهرية التي لا يتجاوز مداها أمتارا بين العين والقصر المهيب والسيارة الجميلة، بينما ما وراء كل هذا خافياً، يظهر عندما تنفجر الفضيحة، ويسقط احد افراد العائلة في فخ جريمة ما.
الإمام الصادق، عليه السلام، يحذرنا من عاقبتين خطرتين لهذا التوجه الخاطئ:
العاقبة الاولى: استسهال ارتكاب المحرمات والجرائم وعدّها أمورا طبيعية، بل وأحياناً يرى صاحبها أنه مُحق فيما يفعل، أو “إن الآخرين يستحقون ذلك”! وهذا ما نشهده في العراق اليوم، حيث يتجرأ الفاسدون على فعل كل شيء دون أن يرفّ لهم جفن، أو يوخز فيهم ضمير لأنهم عطلوا عمل هذا الضمير بانغماسهم في الشره الى ما حرّم الله –تعالى-، كما جاء في تحذير الامام الصادق، بمعنى؛ إن من يقبل لنفسه أكل الحرام، ويطعم أفراد أسرته منه، لن يجد غضاضة في ارتكاب مختلف أشكال الفساد والاختلاس بتبريرات مختلفة منها: “إن هذا حقّي”لإسكات ما بقي من أنّات واهتزازات للضمير في داخله.
في الثقافة الدينية ثمة تحفيز واسع على العمل والتجارة والإثراء، مع التأكيد على حقّ الملكية الفردية في الإسلام، فكل الابواب المشروعة مفتوحة أمام الانسان ليكون ثرياً ويعيش حياة مرفهة مع الالتزام بالحدود الاخلاقية والشرعية، وأن لا يكون المال والارباح خارج سيطرته، وفي هذه الحالة ليس فقط هو يعيش الرفاهية ورغد العيش، بل ويتمكن من بسط هذه الرفاهية على الشريحة الاخرى الفقيرة في المجتمع لأسباب مختلفة، فنحن لسنا بالضرورة دائماً في حالة صراع دائم مع الفساد والاختلاسات والانتهاكات، إنما يمكن أن نكون على موعد مع حياة أفضل يسودها العدل والإحسان عندما يكون المال والعقار وسيلة لا هدفا.



