التشكيلي مهدي العياش يعيد إنتاج البيئة العراقية عبر علامات إنسانية

المراقب العراقي/ رحيم يوسف..
في المعرض الشخصي الأول للفنان مهدي العياش تجربة فتحت الباب أمام الكثير من الأسئلة والنقاشات، لا لكونها مختلفة نوعًا ما فقط، بل لأنها تنتمي إلى مجموعة من التجارب الشبابية التي تحاول إثبات وجودها في الوسط التشكيلي المعاصر.
أقول هذا وأنا أكتب عن تجربة الفنان الشاب مهدي العياش التي تشابهت شكليًا مع تجربة الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو، الذي جعل من ضخامة الكتلة الجسدية في الحجم والامتلاء جوهر التكوين الشكلي في تجربته الفنية ذائعة الصيت، لكن، وقبله بسنوات قليلة، قامت الفنانة الفرنسية الأمريكية نيكي دو سان فال بتنفيذ أعمال نحتية تمثل أجسادًا نسائية ضخمة وملونة كرمز للفرح والحرية وقوة المرأة، وكانت من أشهر تلك المنحوتات سلسلة «نانا» المعروفة عالميًا، والتي نُصبت في الساحات والحدائق العامة. فلماذا لم يُقذف بوتيرو بتهمة التناص مع فال؟ كما نفذت الفنانة الفطرية الهولندية آدا بيردفيلد مجموعة كبيرة من الأعمال التي تمثل نساءً بدينات في ثمانينيات القرن الماضي.
يمكننا القول بأن مهدي العياش لا يبالغ في حجم الجسد كي يضحكنا، بل يبالغ فيه كي يجعل ما تخفيه الحياة اليومية مرئيًا، لأن تجربة مهدي العياش لا تقوم على السخرية من الشخصيات الشعبية بقدر ما تقوم على إعادة بناء الشخصية العراقية في فضاء هزلي يكشف تناقضات الحياة اليومية. هناك اشتغال واضح على الجسد، والذاكرة الشعبية، والرياضة، والموسيقى، والملابس، لكن الفنان يجمعها بطريقة تجعل المألوف يبدو غريبًا، وبالعكس.
ويمكننا القول بأن التجربة تقف في المنتصف بين الفن الشعبي والكاريكاتير، وهو يحول الجسد الشعبي إلى سؤال يدور في فضاء السطوح التصويرية، فلا يظهر الجسد مجرد حامل للشخصية، وإنما يصبح أحد أهم مفردات الخطاب التشكيلي. فالأجساد الممتلئة والثقيلة، المتضخمة، تمتلك حيوية وحركة في ذاتها، عبر وضعها في مواقف تتطلب الخفة والرشاقة، كالعزف وممارسة كرة القدم والركض، من أجل إنشاء مفارقة مُفادها أن الجسد يبدو مثقلًا بواقعه، لكنه يحاول أن يمارس الحياة بكل اندفاعها، في محاولة للابتعاد عن هذا الواقع قدر الإمكان.
كما أن المبالغة في حجم الأجساد التعبيرية تقربها من الكاريكاتير، لكنها لا تتوقف عند حد الإضحاك. فالكاريكاتير هنا يتحول إلى وسيلة لإزاحة الصورة الواقعية عن مكانها، حتى نرى الشخصية الشعبية بطريقة مختلفة. العياش لا يرسم الرجل كما تراه العين فقط، بل كما يمكن أن تستحضره الذاكرة: ملامح مألوفة، دشداشة أو كوفية، شارب كثيف، ملابس رياضية، وحضور اجتماعي يحمل شيئًا من الطرافة والحميمية.
وفي سطح آخر يصبح الأمر أكثر تركيبًا. نرى مجموعة من الرجال يركضون فوق مضمار رياضي، لكن المضمار يدخل إلى فضاء المطبخ. هنا يخلق الفنان انتقالًا غير منطقي، لكنه شديد الدلالة: المنافسة الرياضية تنتقل من الملعب إلى البيت. المطبخ، بما يحمله من دلالات الحياة اليومية، يتحول إلى خلفية لسباق. وكأن الحياة نفسها أصبحت سباقًا، أو أن الإنسان المعاصر لم يعد يستطيع الفصل بين حياته الخاصة ومظاهر المنافسة والاستعراض.
والشخصيات هنا متشابهة في بنيتها الجسدية، لكنها مختلفة في الملابس والألوان. وهذا التشابه يمنحها شيئًا من الجماعة؛ نحن لا نتابع فردًا محددًا بقدر ما نتابع نموذجًا اجتماعيًا. والأرقام المثبتة على صدورهم تزيد هذا الشعور؛ فالإنسان يتحول إلى رقم داخل منافسة أكبر منه.
العياش لم يتعامل مع اللون كعنصر جمالي فحسب، بل عبر الألوان الصريحة والقوية جعلها قريبة جدًا من الحس الشعبي والملصق والمشهد الاحتفالي. كما أنه جعل الألوان تتوافق مع طبيعة الشخصيات التي لا يريد الفنان أن يمنحها هدوءًا بصريًا، فهي شخصيات ممتلئة بالحركة.
والأهم في السطوح أنه لا يرسم «الرجل السمين» باعتباره موضوعًا طريفًا فحسب. إنه يستخدم التضخيم الجسدي لكي يجعل الإنسان الشعبي أكثر حضورًا من الواقع نفسه. الجسد الكبير يحتل السطح كما تحتل الشخصية الشعبية الذاكرة.
ومن هنا يمكن النظر إلى التجربة باعتبارها اشتغالًا على ذاكرة المكان من خلال الإنسان، لا من خلال العمارة أو المنظر الطبيعي. فهو لا يحتاج إلى رسم شارع عراقي أو بيت بغدادي كي يقول لنا إن هذه الشخصيات عراقية؛ تكفي الكوفية، والملامح، والقمصان الرياضية، والإشارات الموسيقية، والألوان، وطريقة الجلوس والوقوف والحركة. وهو يعيد إنتاج البيئة العراقية عبر علامات إنسانية واضحة فيها.
والطرافة في هذه السطوح أنها لا تشكل نقيضًا للنقد، بل هي أداته. فحين يجعل الفنان الرياضي ثقيل الجسد، والعدّاء داخل المطبخ، والعازف الشعبي يرتدي ملابس رياضية حديثة، فإنه يصنع عالمًا فيه قدر من العبث. لكن هذا العبث ينفتح على سؤال أكثر جدية، وهو: ما الذي حدث للشخصية العراقية عبر انتقالها من زمن إلى آخر؟ وعليه، فإن التجربة تتحرك في منطقة وسطى بين التشخيص والكاريكاتير. وهي لا تسعى إلى تجميل الشخصية أو تشويهها، وإنما إلى تضخيمها حتى تصبح قابلة للقراءة.



