اخر الأخباراوراق المراقب

التربية على تحمل المشاق في الصغر

صباح الصافي..

هل يمكن للإنسان أن ينجح في حياته من غير أن يتعلَّم كيف يواجه المشقَّة؟.

وهل يمكن أن نبني شخصيَّة قويَّة إذا نشأ الطِّفل في بيئة تُزال من طريقه كلُّ عقبة، وتُلبَّى له كلُّ رغبة، ويُعفى من كلِّ مسؤوليَّة؟.

وهل حماية الطِّفل تعني أن نحميه من كلِّ تعب، أم أنَّ التَّربية الحقيقيَّة تقتضي أن نعلِّمه كيف يواجه التَّعب، ويتعامل مع الصُّعوبات بما يتناسب مع عمره وقدرته؟

ومتى نبدأ بتربية الطِّفل على الصَّبر والمثابرة: أفي مرحلة الكبر حين تتراكم عليه أعباء الحياة، أم منذ الصِّغر حين تكون العادات والاتِّجاهات في طور التَّكوين؟.

وهل المشقة التي يواجهها الطِّفل دائمًا أمر سلبي ينبغي إزالته، أم يمكن أن تكون – إذا أُحسن توجيهها وضبطها – وسيلة لبناء قدراته، وتنمية استقلاله، وإعداده لمتطلبات المستقبل؟.

إنَّ هذه الأسئلة تضعنا أمام قضية تربويَّة مهمَّة تتَّصل بطبيعة الإنسان وطبيعة الحياة؛ فالقرآن الكريم لا يقدِّم الحياة بوصفها طريقًا خاليًا من التَّعب والمكابدة؛ وإنَّما يقرِّر حقيقة واضحة بقول الله (تعالى): (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) فإذا كانت المشقَّة جزءًا من طبيعة الوجود، فهل يكون من الحكمة أن نُنشئ أبناءنا على الهروب منها، أم أنَّ الأجدر أن نهيئهم للتَّعامل معها بالصَّبر، والسَّعي، والثَّبات؟

ومن هنا تؤكِّد الرِّوايات الشَّريفة أهميَّة اغتنام مرحلة الصِّغر في التَّعلُّم، والتَّهذيب، وبناء الشَّخصيَّة، ومن ذلك قول أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام): “مَن لَم يُجهِدْ نَفسَهُ في صِغَرِهِ لَم يَنبُلْ في كِبَرِهِ”، وعنه (عليه السلام): “مَا أَدْرَكَ الْمَجْدَ مَنْ فَاتَهُ الْجِدُّ” بما يكشف عن أثر ما يعتاده الطِّفل في صغره في تشكيل قدرته المستقبليَّة على مواجهة المصاعب والمشاق. ولهذا السَّبب جاء في النُّصوص الشَّريفة مفهوم يمكن أن نطلق عليه اسم “التَّربية على تحمُّل المشقَّة”، الذي يعتمد على تعريض الطِّفل لتحديات تربويَّة تناسب قدراته، مع حفظ أمنه وكرامته، وتحقيق التَّوازن بين حمايته من الضَّرر وإكسابه القدرة على الاعتماد على النَّفس. ولأهميَّة هذا النَّوع من التَّربية سنتناول الموضوع في مباحث عدَّة:

يمثِّل تحمُّل المشقَّة ومواجهة الصُّعوبات أحد المرتكزات المهمَّة في بناء الشَّخصيَّة، وقد أسَّس القرآن الكريم لهذا المعنى عن طريق بيان طبيعة الإنسان، والسُّنن التي تحكم حياته. ومن أبرز الآيات الدَّالة على ذلك قول الله (سبحانه): (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)؛ حيث تبيِّن الآية الكريمة حقيقة ملازمة للإنسان، تتمثَّل في تعرُّضه للتَّعب والمشقَّة والمكابدة في مراحل حياته المختلفة؛ الأمر الذي يجعل الاستعداد لمواجهة الصُّعوبات جزءًا من البناء التَّربوي السَّليم.

وقد تنوَّعت عبارات المفسرين في بيان المراد بـ”الكَبَد”، مع اجتماعها في الدِّلالة على الشدَّة والتَّعب والمكابدة. وهذه بعض الآراء في بيان الآية المباركة:

1. (مجمع البيان): “(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)؛ أي: في نَصَب، وشدَّة؛ عن ابن عبَّاس وسعيد بن جبير والحسن قال: يكابد مصائب الدُّنيا وشدائد الآخرة، وقال: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتَّى يفارق الدُّنيا، وقيل: في شدَّة خلق من حمله وولادته ورضاعه وفطامه ومعاشه وحياته وموته، ثمَّ أنَّه (سبحانه) لم يخلق خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو أضعف الخلق”.

2. (الميزان في تفسير القرآن): “الكبد الكد والتَّعب، والجملة جواب القسم، فاشتمال الكبد على خلق الإنسان، وإحاطة الكد والتَّعب به في جميع شؤون حياته ممَّا لا يخفى على ذي لب، فليس يقصد نعمة من نعم الدُّنيا إلَّا خالصة في طيبها محضة في هنائها، ولا ينال شيئًا منها إلَّا مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة، مضافًا إلى ما يصيبه من نوائب الدَّهر، ويفاجئه من طوارق الحدثان”.

3. (الكاشف): “المعنى أن اللَّه سبحانه خلق الإنسان مجدًا كادحًا يتصارع مع ميوله ورغباته، ومع أتعاب الحياة وشدائدها، ثمَّ بعد هذا يقاسي سكرات الموت، وظلمة القبر ووحشته، ثمَّ أهوال القيامة، والعرض على اللَّه لنقاش الحساب عمَّا قال وفعل”.

4. (تقريب القرآن إلى الأذهان): “إنَّ «الكبد» لغةً بمعنى شدَّة الأمر، والمعنى أنَّه لا يزال يكابد الأتعاب – بما قدر الله له وللكون من الأنظمة – ولذا قال تعالى في حديث قدسي: إنِّي ما جعلت الرَّاحة في الدُّنيا، والنَّاس يطلبونها فيها فلا يجدوها”.

ومن خلال استقراء هذه الاتِّجاهات التَّفسيريَّة، يتبيَّن أنَّ قوله (تعالى): (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) يقدِّم أساسًا قرآنيًّا مهمًّا للتَّربية على تحمُّل المشقَّة؛ فالإنسان يعيش ضمن واقع يتطلَّب منه السَّعي والمجاهدة ومواجهة المصاعب، ولا تتحقَّق حاجاته ومقاصده من دون بذل الجهد واحتمال الأعباء. كما أنَّ طبيعة الحياة تفرض عليه التَّعامل مع أحداث وظروف تتطلَّب الصَّبر والثَّبات وحسن التَّصرُّف.

ويعزِّز القرآن الكريم هذا المعنى عبر ربط الابتلاء بالصَّبر، قال الله (تبارك وتعالى): (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) فالآيات تؤكِّد أنَّ الابتلاء من سنن الحياة، وتقدم الصَّبر والاسترجاع إلى الله (تعالى) بوصفهما استجابتين إيمانيَّتين تعينان على تجاوز المحن، والتَّعامل معها بصورة إيجابيَّة.

كما قال الله (عزَّ وجلَّ): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) حيث يرتبط الصَّبر بالاستعانة بالله (جلَّ جلاله)، بما يكشف عن أنَّ مواجهة المشقَّة في المنظور القرآني تقوم على إعداد الإنسان نفسيًّا وأخلاقيًّا، وتمكينه من الثَّبات أمام الظُّروف التي تعترض طريقه.

وبناءً على ذلك، فإنَّ التَّربية على تحمُّل المشقَّة تستند إلى رؤية قرآنيَّة لطبيعة الإنسان والحياة، تجعل الصُّعوبات جزءًا من الواقع. ومن ثمَّ فإنَّ التَّربية الصَّحيحة لا تقوم على تهيئة بيئة خالية من الصُّعوبات؛ وإنَّما تقوم على إعداد الطِّفل للتَّعامل معها بصورة صحيحة، عن طريق تدريبه على الصَّبر، وتنمية قدرته على مواجهة العقبات، وتعليمه أنَّ الوصول إلى الأهداف يرتبط بالسَّعي، والمثابرة، وتحمُّل الأعباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى