روبيو وحرب الـ 2500 عام مع إيران

بقلم: ليلى نقولا..
في خطابه الذي ألقاه في أثينا في السابع من تشرين الأول 2026، استعاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مشاهد من الحروب اليونانية الفارسية، وتحدث عن وصول جيوش زركسيس إلى أثينا عام 480 ق.م. وإحراق الأكروبوليس، وربطها بالحرب على إيران والتهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة والغرب في الوقت الحاضر، مُوحياً بأن المواجهة الحالية مع إيران ليست سوى فصل جديد من مواجهة حضارية أقدم بين أثينا وفارس.
وبعد الاستماع إلى الخطاب وهذا الربط بين التأريخ القديم وحروب الحاضر، يمكن تسجيل ملاحظتين أساسيتين:
أولاً: خطاب يشبه اليمين الإسرائيلي
في هذه الاستعارة التأريخية يبدو أن روبيو أقرب إلى خطابات بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي منه إلى التقليد السياسي الأمريكي المعتاد.
في الشكل، طالما عُرف السياسيون الأميركيون باستعاراتهم التأريخية، فهم عادة ما يستحضرون الاستقلال الأميركي أو الدستور أو الحرب الأهلية أو الحرب العالمية الثانية في خطاباتهم. لكن اللافت أن مرجعيتهم الأساسية تُبقي التأريخ الأميركي نفسه والذاكرة الوطنية الأميركية، أما روبيو فقد لجأ إلى تأريخ يسبق ولادة الولايات المتحدة بأكثر من ألفي عام، وجعل منه إطاراً لتفسير صراع معاصر.
تشبه طريقة روبيو في قراءة التأريخ وتوظيفه سياسياً الأسلوب الذي اشتهر به نتنياهو واليمين الإسرائيلي. في خطابات نتنياهو واليمين والاسرائيلي تكثر الإشارة الى الممالك التوراتية القديمة، والسبي البابلي، والحروب ضد الرومان، والإمبراطوريات القديمة، وربطها بخصوم إسرائيل المعاصرين. وهكذا تبنى روبيو المنطق نفسه تقريباً، فقد استحضر شخصيات وأحداثاً وإمبراطوريات تفصل بينها قرون طويلة وعاملها وكأنها جزء من صراع واحد مستمر عبر الزمن: زركسيس هو مقدمة لفهم إيران المعاصرة، وأثينا القديمة تحوّلت إلى سلف سياسي وحضاري مباشر للولايات المتحدة.
ثانياً: مسألة الهوية الممتدة عبر التأريخ
يقوم هذا النوع من الخطابات على فرضية نظرية إشكالية: وجود هوية تأريخية ثابتة تعبر القرون وتحافظ على مضمونها رغم تبدل الدول والمجتمعات والأنظمة السياسية والثقافات.
تفترض السردية التي قدمها روبيو وجود «غرب» واحد ومتصل يمتد من أثينا إلى واشنطن، و«فارس» واحدة ومتصلة تمتد من الأخمينيين إلى الجمهورية الإسلامية. غير أن هذه الاستمرارية ليست حقيقة تأريخية بقدر ما هي بناء أيديولوجي متخيّل.
إيران الحالية ليست الإمبراطورية الأخمينية، وهي ليست استمراراً سياسياً لها بالمعنى الذي تكون فيه الدولة الحالية امتداداً قانونياً أو مؤسسياً للدولة القديمة. بين الإمبراطورية الفارسية القديمة ودولة إيران الحديثة تعاقبت إمبراطوريات وسلالات وديانات وأنظمة سياسية مختلفة، وتبدلت الحدود والمجتمعات والهويات مرات عديدة. والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة، فهي ليست استمراراً لأثينا القديمة، ولا هي وريثة سياسية مباشرة لها.
لا يعرف التأريخ كيانات حضارية أو سياسية ثابتة تعبر القرون محتفظة بالمعنى نفسه والهوية نفسها. وبالأساس، الهوية ليست جوهراً ينتقل عبر الزمن من دون تغيير، بل هي بناء تأريخي يتشكّل ويتغيّر ويتعرض للانقطاعات وإعادة التعريف باستمرار.
بالإضافة الى ما سبق، إن الادعاء بأن هناك هوية غربية ثابتة ونقية هو غير صحيح، لأن الفكر السياسي يتشكّل عبر تلاقح الحضارات وصراعاتها بالأساس. لقد استلهم الفكر السياسي الغربي جوانب كبيرة من التراث اليوناني، كما استلهم من التراث الروماني والمسيحي والأوروبي الحديث، لكنه أيضاً استلهم من الإرث الحضاري الفارسي نفسه.
منذ عصر النهضة، لم تقتصر علاقة المفكرين الغربيين بالإرث الفارسي على استحضاره بوصفه خصماً تأريخياً، بل شملت أيضاً التعامل معه مصدراً للأفكار والنماذج السياسية. لقد احتل قورش الكبير مكانة مهمة في الفكر السياسي الغربي، ولا سيما من خلال كتاب زينوفون Cyropaedia الذي ظل لقرون من أكثر النصوص السياسية تأثيراً في أوروبا الحديثة. كما ظهر في بعض الدراسات التأريخية الأميركية إشارات الى اطلاع عدد من الآباء المؤسسين، وفي مقدمهم توماس جيفرسون، على قورش بوصفه نموذجاً للحكم الرشيد والتسامح الديني.
ما سبق، يعني أن العلاقة بين العالمين الإغريقي والفارسي لم تكن تأريخياً علاقة صراع دائم كما يفترض الخطاب الحضاري الذي يقدمه روبيو ونتنياهو، بل تضمنت أيضاً مسارات من التأثر المتبادل وانتقال الأفكار والنماذج السياسية.
وهكذا يمكن القول إن خطاب روبيو لا يستخدم التأريخ لتفسير السياسة، بل يستخدم السياسة لإنتاج سردية تأريخية متخيّلة خاصة به، فهو يبدأ من خصومة جيوسياسية مع إيران في الحاضر، ثم يعود إلى الماضي بحثاً عن سابقة تمنح هذه الخصومة معنى حضارياً وأخلاقياً.
من منظور العلاقات الدولية، تكمن خطورة هذا النوع من السرديات في أنه ينقل الصراع من مستوى المصالح إلى مستوى الهوية. عندما تُفسَّر المواجهة مع إيران من خلال البرنامج النووي أو التوازنات الإقليمية أو الأمن القومي، فهي تبقى نزاعاً سياسياً قابلاً للإدارة والتفاوض والحلّ. أما عندما تُقدَّم باعتبارها فصلاً جديداً من مواجهة حضارية بدأت مع أثينا وفارس، فإنها تتحول إلى صراع وجودي تُصبح فيه التسويات أكثر صعوبة، لأن الخصم لا يعود منافساً استراتيجياً بل يُعاد تعريفه باعتباره “الآخر الحضاري”.



