اراء

السعودية بين معضلة الأمن وطموح رؤية 2030

بقلم: وسام إسماعيل..

إذا كان من الممكن النظر إلى التجارب التأريخية لبعض الدول التي نجحت في الانتقال إلى مرحلة الازدهار الاقتصادي والنمو، فإن تجارب دول في آسيا كماليزيا وكوريا الجنوبية وفيتنام وحتى اليابان ستشكل نموذجاً يمكن اعتباره معيارياً حيث نجحت هذه الدول في بناء بنية تحتية متطورة ساهمت بانتقالها من ساحة الصناعات الخفيفة إلى الحديد والبتروكيماويات، ثم إلى السفن والسيارات والإلكترونيات والتكنولوجيا. في هذا الإطار، احتاجت هذه الدول إلى الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي إلى جانب الحاجة إلى بناء منظومة تعليمية وطنية وجهاز بيروقراطي سياسي قادر على التصرف بفاعلية وجرأة وبراغماتية في مواجهة العقد والأزمات التي قد تواجهها.

وإذا كان من الممكن القول إن تلك الدول لم تكن تملك الثروات الكافية لتسهيل تحقيق مشروعها، فالواقع السعودي يقدم للمملكة ميزة في هذا الإطار حيث تمتلك السعودية ثروةً نفطية هائلة تقدم لها قدرة تمويلية غير محدودة بالتوازي مع قدرتها على تخطي قيود الكفاءة والاستدامة بقدراتها الذاتية أو بمساعدة خارجية. وبالتالي ستظهر رؤية 2030 على أنها لم تكن محاولة لبناء اقتصاد يستهدف تحقيق ازدهار وتطور لمجتمع يعاني، وإنما كانت محاولة لبناء اقتصاد قادر على التخلي عن عائدات النفط باستخدام الثروات التي أمنتها وتؤمنها تلك العائدات بما يقدم لها ميزة كبيرة في مجال نجاحها في تحقيق تلك الرؤية.

في إطار تعريف هذه الرؤية، يمكن القول أنها مشروع اقتصادي واجتماعي وسياسي يهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع والدولة وتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل. وعليه افترضت هذه الرؤية من أجل نجاحها مجموعة من المرتكزات الأساسية التي هي بالإضافة إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط ضمان الأمن والاستقرار داخل المملكة وكذلك في الإقليم. فرؤية 2030 تفترض الحاجة إلى جذب الاستثمارات العالمية وتنويعها بحيث تؤدي هذه الاستثمارات إلى التقليل من حجم الكتلة المالية التي تشكلها عائدات النفط في الاقتصاد السعودي. وبالتالي فإن الهدف المنشود لدى واضعي رؤية 2030 سيتمحور حول كيفية إقناع المستثمرين بأن البيئة في السعودية ستبقى مستقرة وآمنة وأن المملكة تملك من الإمكانيات ما يمكَنها من ضمان حماية المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والصناعية بالإضافة إلى قدرتها على تفادي دخول أو إدخال المملكة في أي حرب قد تؤثر عليها. بالإضافة إلى هذا الهدف، تفترض الرؤية العمل على تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي وكذلك تحويلها إلى مركز للسياحة والطيران والاستثمار ورفع الأهمية الجغرافية للمملكة إلى حدودها القصوى كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وعليه، تفترض رؤية 2030، بحكم طبيعة أهدافها، توافر بيئة أمنية وسياسية مستقرة تسمح بتراكم الاستثمار واستقطاب رأس المال والسياحة وتطوير القطاعات الجديدة أكثر مما تحتاج إلى القوة العسكرية. فتبني السياسة الخارجية السعودية لمسارات تفترض الركون إلى القوة العسكرية كأداة أساسية مؤثرة ستؤدي بشكل أو بآخر إلى ضرب البيئة الاستراتيجية التي تفترضها رؤية 2030 كضرورة لتحقيق الأهداف. وعليه، فإن الحرب على اليمن ستؤدي إلى مزيد من الإنفاق الأمني على حساب تخصيص الموارد وستزيد من مستوى المخاطر الإقليمية وستدفع المستثمرين إلى حال من عدم اليقين حول مستقبل استثماراتهم. في هذا الإطار، يجب عدم اشتراط غياب أي تهديد أمني كشرط لازم لنجاح تحقيق رؤية 2030 حيث إن هذا الشرط لن يكون واقعياً في ظل واقع العلاقات الدولية التي تقوم اليوم على مفهومي القوة والمصلحة، وإنما يمكن الحديث عن ضرورة توفر القدرة على احتواء التهديدات كي لا تتحول إلى عائق أمام التنمية. فإذا كان من الممكن البحث في الأسباب التي أدت إلى نجاح دولة ككوريا الجنوبية في تحقيق مشروعها للتنمية، فإن قدرتها على منع التهديد الأمني الذي يسببه الصراع مع كوريا الشمالية من تعطيل اقتصادها سيكون أحد أهم الأسباب.

من ناحية أخرى، تجب الإشارة إلى أن المدة الزمنية التي استغرقها التحول الذي قادته دول آسيا لم تكن قصيرة حيث احتاجت كوريا الجنوبية مثلاً أكثر من ثلاثة عقود لتبني نموذجها. وبالتالي، فإن الطموح السعودي بتحقيق خطة التحول بوقت قياسي لا يتجاوز الـ 15 عاماً تفرض ضرورة إعدام أي تأثير سلبي على مسارها. وبالتالي، يُفترض بالمملكة أن تدير سياساتها الإقليمية بطريقة أكثر براغماتية وأكثر ميلاً نحو الحلول الدبلوماسية والسلمية. فسرعة التحول الاقتصادي لا تقاس بحجم التمويل المتوافر وإنما بالمدة التي تستطيع خلالها ضمان العمل في بيئة آمنة ومستقرة وقابلة للتنبؤ.

بواقعية، يمكن القول إن المسار الأمني الذي تعتمده السعودية في اليمن وانخراطها المباشر في الأزمات الإقليمية لن يسقط رؤية 2030 كخطة تنموية حيث تملك المملكة الإمكانيات المالية التي قد تساعد في تحقيق الأهداف، ولكنه حتماً قد يؤخر تحقيق الأهداف ضمن الجداول الزمنية التي وضعتها السعودية وسيجعلها أمام اختبار المفاضلة بين السعودية التي تريدها الرؤية والسعودية التي يرسم إطارها ودورها الطموح الجيوستراتيجي لحكامها. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى