اخر الأخباراوراق المراقب

التربية العقائدية.. وسائل غرسها في الأبناء ومعوقاتها

مرتضى معاش..

تناول القسم الأول من سلسلة التربية العقائدية مفهومها وأهميتها في بناء الشخصية، وكيف تبدأ من تأسيس الاعتقاد لتكوين القناعة التي تتحول بدورها إلى سلوك. ثم انتقل القسم الثاني إلى أهداف التربية العقائدية، مُركِّزًا على رعاية الفطرة والقدوة والتدرج وبناء الاختيار والاستقلال وتصحيح الشخصية بالاستغفار. ويأتي هذا القسم الثالث ليكمل المسار من خلال الانتقال إلى الجانب العملي: ما أهم الوسائل التي يمكن من خلالها غرس العقيدة في نفوس الأبناء؟ وما المعوقات التي تقف أمام هذا الغرس؟ وكيف تسهم التربية العقائدية بتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للفرد؟

وتقوم الفكرة المركزية لهذا القسم على أن التربية العقائدية لا تبدأ بالمعلومة وتنتهي عندها، بل تتحرك في مسار متدرج: الرعاية ثم العناية فالاحتضان، ومن الاحتضان العقائدي إلى الإيمان العملي، ومن الإيمان العملي إلى التجربة والممارسة، ثم إلى العادات الإيمانية التي تتجذر في شخصية الطفل. ويحتاج نجاح هذا المسار إلى القدوة والتفاعل الوجداني والحوار والاعتدال، حتى يبقى الطفل منفتحًا على فطرته، ويصبح الإيمان جزءًا من حياته لا مجموعة معلومات منفصلة عنها.

فما هي أهم الوسائل التي يمكن من خلالها غرس العقيدة في نفوس الأبناء؟

أولا: التربية بالعناية والاحتضان

مفهوم الرعاية وأهميتها وهي أشكال متعددة منها: الرعاية النفسية، والرعاية المعرفية، والرعاية العقائدية، والرعاية العاطفية. لكن الرعاية تحتاج إلى الاستمرار، ومن هنا يأتي مفهوم العناية؛ أي استمرار الاهتمام والمتابعة وعدم توقف الرعاية عند مرحلة محددة.

وهناك مفهوم أبعد من الرعاية والعناية في استدامة التربية بشكل عام، والتربية العقائدية بشكل خاص، وهو مفهوم الاحتضان. والاحتضان يعني الإحاطة بالفرد، كما تحتضن الأم طفلها وتقبله وتعطيه العاطفة والحنان، وكذلك الأب يحتضن أبناءه. لكن أهم ما في الاحتضان أنه يوفر للطفل البيئة الآمنة التي يحتاج إليها.

فالطفل يحتاج إلى الاحتضان حتى يشعر بالأمان، ويشعر بأن هناك من يحميه، وأنه ليس وحيدًا في مواجهة الخوف. ونرى ذلك بوضوح عند الطفل الصغير جدًا؛ فقد يبكي إذا بقي وحده، وبمجرد أن تحتضنه أمه أو يحتضنه أبوه يهدأ، لأنه شعر بالأمان. والخوف أمر طبيعي في الإنسان، ولذلك يحتاج الطفل إلى حضور من يمنحه الطمأنينة ويوفر له الحماية.

وهنا ينبغي التمييز بين الاحتضان السطحي والاحتضان العميق. فقد يأتي الأب إلى البيت، ويركض الأبناء نحوه، فيحتضنهم ويقبلهم، ثم بعد مدة قصيرة يتركهم وكأن الاحتضان قد انتهى. وقد يحتضن بعض الآباء والأمهات أطفالهم لأنهم هم أنفسهم يحتاجون إلى العاطفة، وهذا جيد في نفسه، لكن الأصل أن يكون الاحتضان قائمًا على حاجة الطفل، وأن يكون هدفه تغذية الطفل بالأمان، لا مجرد إشباع حاجة عاطفية مؤقتة لدى الأب أو الأم.

ومن هنا يُصبح الاحتضان أعمق من مجرد العناق أو القبلة، فهو استمرار للرعاية والعناية، وإحاطة بالطفل نفسيًا وعاطفيًا ومعرفيًا وعقائديًا.

الاحتضان العقائدي وبناء الإيمان

من الاحتضان العاطفي ننتقل إلى الاحتضان العقائدي، وهو الاستدامة في الرعاية والعناية من أجل بناء الإيمان في داخل الطفل. فعندما نقول إننا نحتضن الطفل عقائديًا، فإننا نريد أن نجعله يشعر بالإيمان، وإذا شعر بالإيمان شعر بالأمان وعدم الخوف.

وهذه معادلة مهمة في التربية؛ لأن الإيمان هنا ليس مجرد معلومة أو فكرة ذهنية، بل اعتقاد يُكتسب بالعمل ويترسخ بالممارسة. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا يقبل إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان» وقال الإمام علي عليه السلام: «لو كان الإيمان كلامًا لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام».

فالإيمان والعمل مرتبطان، ولذلك يتكرر في القرآن الكريم اقتران الإيمان بالعمل الصالح. وعندما نتحدث عن التربية العقائدية للطفل، فإن المقصود ليس أن نجعله يحفظ المعلومات العقائدية فقط، بل أن نساعده على اكتساب الإيمان العملي.

التربية بالتجربة لا بالتلقين

الطفل في المراحل العمرية الصغيرة لا يتعلم العقيدة بالطريقة التي يتعلم بها الكبير، ولا بالتعليم المدرسي أو التلقين النظري وحدهما. فالطفل في عمر سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات يتعلم بالتجربة والخبرة والمحاكاة والاحتكاك بالواقع الخارجي.

وقد تحدثنا سابقًا عن تعليم الطفل في السنة الثالثة أن يقول: «لا إله إلا الله»، لكن التعليم العقائدي في هذه المراحل لا يقوم على شرح القضايا النظرية المعقدة، وإنما على تهيئة تجربة يعيش فيها الطفل العقيدة بصورة عملية.

فلو تحدث الأب مع طفل صغير ساعتين أو ثلاث ساعات عن القضايا العقائدية والدينية، فقد لا يفهم منها الكثير، لكن عندما يدخل الطفل أجواء تحتضنه عقائديًا، فإنه يتعلم من التجربة والانطباع والتفاعل الوجداني. لذلك فإن من أهم طرق التربية العقائدية ممارسة الشعائر الدينية، وإدخال الطفل في حاضنات طبيعية وعملية يتعلم منها الإيمان بالمشاركة والاحتكاك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى