الأرض تُضاء وتشرق بنور الله

لقد اسودّت الأرض وغرقت في ظلامٍ دامس منذ تلك اللحظة الشنيعة التي امتدت فيها يد قابيل لتسفك دم أخيه هابيل، فكانت تلك الخطيئة الأولى بمثابة الحجر الأساس لسرادق الظلم والعدوان على مرّ العصور، ومنذ ذلك التأريخ البعيد وإلى يومنا هذا، لم تتوقف الدماء عن الجريان ولا الصرخات عن التعالي، حيث بات الكوكب مسرحًا لمختلف أنواع المظالم والمفاسد والتجاوزات الهائلة على كرامة الإنسان بالإضافة إلى جحافل الجور والاضطهاد.
ونتيجةً هذه الوحشية المتواصلة، راح ضحيّةَ هذه المظالم الملايين وعشرات الملايين بل ومئات الملايين من الأرواح البريئة، وربما تجاوز العدد أكثر من مليار شخص على امتداد السجل الإنساني الطويل، وقد قُضيَ على أحلام الشعوب وسُحِقَت آمال الأبرياء تحت وطأة الحروب والنزاعات والاستبداد، فتحول مسار التأريخ البشري من رحلة بناء ونماء واستقرار إلى سجلٍّ ملطخ بالدماء ومداف بالألم.
إن هذا السواد الذي يلفُ تأريخنا ليس مجرد مجاز لفظي، بل هو واقع حقيقي يجسد تراكمات البغي والشر، حيث أطفأت مظالم الإنسان لأخيه الإنسان كل شعاع للمودة والعدل، وتركت البشرية تعاني دهاليز الظلمة التي جلبها جشع النفوس منذ الفجر الأول للمدنية.
إن هذه المظالم الشديدة وهذا الظلام الدامس الذي خيّم على وجه الأرض طوال القرون الماضية، سيزول وينتهي لا محالة، تصديقاً لوعد الله الصادق في كتابه الحكيم حين قال: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا). فستضاء الدنيا وتشرق الأرجاء كافة بنور الله تعالى، لتنجلي تلك المظالم المتراكمة، وينطوي إلى غير رجعة عهد الجهل والفساد والجور.
مرحلة جديدة من الأمن والسلام
وحتما سوف يتحقق التحول التأريخي العظيم على يد الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، وبقدومه المبارك تبدأ مرحلة جديدة من الأمن والسلام تنعم فيها البشرية بالوئام الحقيقي والعدالة المطلقة، وينتشر النور الإلهي ليحل محل كل ظلام وسواد، وتتحقق أمنية الأنبياء والصالحين في قيام دولة الحق والاستقامة فوق كل شبر من هذه الأرض.
أراد الله تعالى وفق حكمته البالغة أن يكون وقت ظهور الإمام المهدي المنتظر (صلوات الله عليه) مخفياً عن العباد، لا يعلم به أحد، وقد جاءت الأحاديث الشريفة المتواترة بالمعنى لتؤكد أن الله سبحانه وتعالى (يصلح أمره في ليلة)، أي يأذن بالظهور ويهيئ أسبابه وينصره فجأة وفي لمحة عين دون مقدمات تدريجية ظاهرية يعلمها الناس.
أما عن السؤال التالي: متى يكون ذلك؟، فالجواب الذي أجمعت عليه الروايات الشريفة هو التفويض والإذعان لإرادة الله عز وجل، إذ كذّب الأئمةُ عليهم السلام كل توقيت للظهور، وأمروا المؤمنين بالانتظار الواعي، فقضية الظهور غيبية، لأنها تخضع للغيب الإلهي، فالظهور يتحقق بغتة متى ما اكتملت الشروط وانتهى الإعداد الإلهي، لتشرق الأرض بنور ربها وتتحقق دولة العدل الإلهي الشاملة.
إنّ حكمة الله تعالى الرفيعة اقتضت أن يبعد علم توقيت الظهور الشريف عن الخلائق، ليبقى أمل الانتظار حياً في قلوب المؤمنين عبر العصور، لهذا قبل مئات السنين، أشار العلامة المجلسي في بعض كتبه إلى علامات تحققت في عصره، معرباً عن أمله في أن يعاصر زمن الظهور المبارك للإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه.
ورغم مضي أكثر من ثلاثمائة سنة على ذلك القول، يظل الشوق متجدداً يتوارثه الأجيال، فنحن اليوم كما كان السلف، ندعو الله عز وجل بقلوب ملؤها الرجاء أن يمنَّ علينا بالعيش في أيام الظهور الميمون، وأن نكون ممن يسعدون برؤية وجهه الكريم ونصرة دولته المباركة، ليتحقق الوعد الإلهي بالعدل الشامل.



