اخر الأخبارثقافية

حامد سعيد يعيد تشكيل أسطورته السومرية صورياً

المراقب العراقي/ رحيم يوسف..

بنظرة سريعة على خارطة التشكيل العراقي المعاصر، بإمكاننا القول بان البصرة تشكل واحدة من أهم الحواضن للفن التشكيلي العراقي المعاصر، ومع ان بغداد هي الحاضنة الكبيرة لهذا الفن غير انها لم تنفرد في انجاب الكم الأكبر من الفنانين التشكيليين العراقيين وكانت أهميتها بكونها العاصمة ومصدر الشهرة والأضواء، فلم يكن من بين الفنانين الأكثر شهرة في تأريخ الفن العراقي الحديث سوى فنان واحد ولد في بغداد وهو محمد صالح زكي، بينما ولد عبد القادر الرسام في قلعة صالح في ميسان وعاصم حافظ ومحمد سليم في مدينة الموصل، ولا حاجة للتذكير برواد الفن المعاصر وأماكن نشأتهم فهي معروفة وكان الكم الأكبر منهم ينتمي الى جميع محافظات العراق، وقد شكلت البصرة الحاضنة الأكبر في هذا المضمار عبر أسماء كبيرة حققت منجزات كثيرة لأسماء تركت بصمتها في سماء الفن ومازالت، غير ان ارتباط الكثير من ابنائها بجذور نشأتهم حرم السواد الأعظم من جمهور التلقي من التعرف على تجاربهم الفذة، ولكثرة الاسماء لا يمكننا ذكرها بهذه العجالة، ويصب ما ذكرناه في باب التنويه لهذه المدينة العظيمة وما تركه ابناؤها في حاضر الفن التشكيلي العراقي المعاصر، وأنا أكتب عن فنان ترك أثرا في الساحتين التشكيليتين البصرية على وشك الخصوص والعراقية عامة ألا وهو الفنان الشاب حامد سعيد.

عبر معرضين شخصيين وسيل من المشاركات في المعارض الجماعية والمشتركة، أسس الفنان حامد سعيد لذاته، بصمة أسلوبية واضحة تشير اليه على الصعيد الشخصي، ومع انه يعمل ضمن نطاق التعبيرية والتجريدية التعبيرية، إلا انه أثبت تميزه، وذلك عبر سطوح تصويرية تمتلك آليات اختلافها عما هو سائد والتي قد تتشابه مع تجربة من هنا أو هناك إلا ان ذلك لا يشكل سبة ما في عمله على اعتبار ان المناخ العام والمعطيات الموجودة واحدة، غير ان نظرته الى الأشياء هي التي ميزت اختلافه، وعلى الصعيد اللوني، يشكل اللون على سطوحه التصويرية مسارا واضحا يشير اليه، وهو في معظم تلك السطوح يميل الى خلق الترف الجمالي من خلال بهجة اللون وهو ما يدل على نزوعه باتجاه خلق عالم افتراضي موازٍ لعالمه المعاش، لتبدو السطوح وكأنها اقتراحات لبدائل لذلك الواقع المليء بالتشوه والبشاعة، وهو بهذا يحيلنا الى المضمر في داخله والذي يدعو الى الدخول إلى عيادته النفسية من اجل الخروج من التشوهات البصرية المحيطة به وبنا جميعا وتصحيحها لها إذا جاز لنا التعبير، فيفلح بذلك في الكثير من الاحوال، وهو ما يتضح مع تعاطيه مع النخيل التي تشكل الجزء الأهم في ذاكرته الصورية في مرحلة الطفولة حيث نشأ في (أبو الخصيب) وهو يشهد سيل الاعدامات الجماعية للنخيل التي حولتها الى ما يشابه أعواد المشانق في ثمانينيات القرن الماضي في حرب الثماني سنوات، فينتصر لها وهو يدونها بصريا بذات الدهشة الطفلية التي بقيت تلازمه، لكنه في أحوال أخرى يعود لذات الواقع ويتمثله بالوان تختلف كليا عما سبق، وهذا لا يعد نكوصا، بل هو تعبير عن الواقع من أجل محاولة تغييره باتجاهات أخرى تتساوق مع ذات الافتراض الذي اقترحه في ألوانه فيما سبق، كما في مجموعة الأعمال التي عرضت في قاعة أكد والتي تماهت مع كارثة جفاف الأهوار والتي نفذها على الورق المقوى (الكارتون) مع انها تنوعت بين التقشف اللوني والسواد.

سعيد وفي عمله المدهش الذي جسده كمرثية لرحيل صديقه المبكر الفنان التشكيلي فؤاد هويرف، لم يذهب بعيدا في اختيار الوسيط الامثل للتعبير لأنه استلهم جزءا مهما من تكوين النخلة (الكربة) وهو الجزء الذي يشكل القاعدة التي تربط السعف بالجذع، ليحولها الى تابوت حمله دلالات رمزية كبيرة عن ثنائية الحياة/ الموت مستلهما بقاء النخيل واقفا حتى بعد اعدامه الذي مر ذكره للدلالة على استمرار الحياة كوجود ولو على سبيل الذكرى ليس إلا، وهي المنحوتة التي كتب عنها الدكتور سلمان كاصد: حامد سعيد يشكل أسطورة جديدة بل يعيد صياغة اسطورة سومرية / جنوب العراق، التي تسكن في أعماق كل جنوبي/ عراقي.

فلا غرابة في أن يعيد تشكيل الأسطورة أو مجموعة الأساطير، فهو ابن لها وكان قد تشربها منذ نشأته الأولى وحتى قيامته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى