الوثيقة الأمريكية حول التخلص من حزب الله.. هل تصنع الحوافز الاقتصادية «جنوبياً جديداً»؟

بقلم: بثينة عليق..
تكشف الوثيقة الصادرة عن مجلس الأمن القومي الأمريكي، والمقدّمة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب تحت عنوان «كيف نتخلّص من حزب الله»، والتي نشرتها صحيفة «الأخبار» اللبنانية مؤخراً، عن مقاربة أمريكية تقوم على استبدال سياسة الضغوط القصوى على مجتمع المقاومة، وما رافقها من عقوبات اقتصادية وحرمان من الرعاية والخدمات، بسياسة تقوم على تقديم الحوافز الاقتصادية والاجتماعية.
ينطلق واضعو الوثيقة من فرضية مُفادها أن فكّ الارتباط بين حزب الله ومجتمعه يشكّل مدخلاً أساسياً للقضاء على الحزب. ويقترحون في هذا السياق سلسلة من الإجراءات، أبرزها إعطاء أبناء الجنوب الأولوية في إعادة الإعمار والتعويضات والخدمات، وإعادة الودائع المصرفية، وتأمين فرص العمل، انطلاقاً من اعتقادهم بأن هذه الإجراءات من شأنها أن تقلّص تدريجياً اعتماد البيئة الشيعية على شبكة الخدمات الاجتماعية التي يوفّرها حزب الله.
وتدعو الوثيقة إلى تجنّب «خطاب العقاب والإذلال»، بالتوازي مع عزل النواة العسكرية والأمنية للحزب وممارسة الضغوط عليها بصورة منفصلة والعمل على دمج بعض شبكات الخدمات القائمة بدلاً من إقصائها اجتماعياً.
تفترض هذه المقاربة أن المجتمع المنهك بفعل الحروب والأزمات، ولا سيما الطبقة الوسطى والفاعلون المحليون، قد يعيد النظر في مواقفه وخياراته السياسية إذا لمس خلال فترة زمنية قصيرة أن الدولة قادرة فعلياً على إعادة الإعمار والتعويض وتوفير الخدمات، وأن ثمة بديلاً اقتصادياً واجتماعياً يمكن الركون إليه.
ليس في هذه المقاربة جديد. فقد سبق للولايات المتحدة أن اعتمدت منهجيات مشابهة في تجارب أخرى سعياً إلى ترسيخ نفوذها في الدول والمجتمعات، لا من خلال السيطرة على السلطات السياسية وحدها، وإنما أيضاً عبر كسب تأييد المواطنين وإعادة تشكيل علاقتهم بالدولة وبالقوى السياسية القائمة.
إلا أن اللافت أن الوثيقة التي تستلهم هذه التجارب وتدعو إلى الاستفادة منها في لبنان، تعود لتعترف في تناقض واضح بحدود المقارنة معها، وتقرّ بأن اختلاف البنى السياسية والاجتماعية والتأريخية يجعل من غير الممكن استنساخ تجارب ألمانيا واليابان وأيرلندا الشمالية في الحالة اللبنانية.
ومع ذلك، لا نجد ترجمة فعلية لهذا الإقرار في الإجراءات المقترحة، إذ يعود واضعو الوثيقة إلى تقديم الوصفات نفسها.
إن التأمل في هذه الوصفات يجعلنا نستنتج أن الهدف يتجاوز إضعاف ارتباط المجتمع بحزب الله إلى محاولة إعادة تشكيل وعيه وأولوياته وخياراته، وصولاً إلى إنتاج ما يمكن تسميته «الجنوبي الجديد» أو «الشيعي الجديد»، على غرار مفهومي «الهندي الجديد» و«الفلسطيني الجديد» اللذين تناولهما المفكر الفلسطيني منير العكش في قراءته للتجربة الاستعمارية الأميركية ومقارنتها بالتجربة الاستعمارية في فلسطين.
أما في فلسطين، التي رأى العكس أن ثمة تشابهاً بنيوياً بين المشروع الاستعماري فيها والمشروع الذي استهدف السكان الأصليين في أميركا، فقد شهدت المقاربة تعديلات في الأدوات والأساليب مع الاحتفاظ بجوهرها.
فلم يعد المطلوب بالضرورة أن يتخلّى الفلسطيني بصورة مباشرة عن هويته الوطنية وإنما أن يعيد ترتيب أولوياته تدريجياً بحيث تصبح المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وضمان شروط الحياة اليومية أكثر أهمية لديه من المطالبة بحقوقه الوطنية أو الاستمرار في المواجهة.
وفي هذا السياق يمكن قراءة خطة دايتون التي انطلقت عام 2005 والتي سعت إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية للسلطة الفلسطينية بالتوازي مع مسار اقتصادي وتنموي، بوصفها إحدى التجارب التي قامت على الرهان على إحداث تحوّلات في الواقع الفلسطيني.
وفي هذا الإطار أشارت دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عام 2009، إلى أن توسيع التعاون الاقتصادي وتحقيق النمو في الضفة الغربية لم يؤدّيا بالضرورة إلى تغيير قناعات الفلسطينيين الأساسية ونظرتهم إلى الصراع.
وهنا نعود إلى الوثيقة الأميركية بشأن لبنان وما إذا كان الأمريكيون سينجحون بتحقيق أهدافهم الواردة فيها على الساحة اللبنانية، وتحديداً في مجتمع المقاومة.
إن ما تطرحه الوثيقة الأمريكية لا يبدو جديداً، بل يتقاطع إلى حدّ بعيد مع أفكار ومقاربات سبق أن طرحها باحثون وكتّاب ومسؤولون إسرائيليون في سياق البحث عن السبل الكفيلة بإضعاف حزب الله وتقليص ارتباطه ببيئته الاجتماعية.
ففي كتابه «هل يمكن قطع رؤوس الهيدرا؟ معركة إضعاف حزب الله»، الصادر عام 2007 يتناول الباحث الإسرائيلي داني بركوفيتش ما يسمّيه «قوة التجذّر الشعبي للمقاومة» ويقترح اعتماد سياسات تستهدف إضعاف هذه القوة، وصولاً إلى دفع المجتمع الحاضن للمقاومة إلى تحميلها مسؤولية تدهور أوضاعه المعيشية والنظر إليها باعتبارها عبئاً عليه، بدلاً من كونها تعبيراً عن خياراته ومصالحه.
ويطرح بركوفيتش في هذا السياق مسارين متكاملين: يقوم الأول على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، من خلال توفير الدعم الإقليمي والدولي لها بما يمكّنها تدريجياً من توسيع حضورها وفرض قيود على حزب الله. أما المسار الثاني فيقوم على إضعاف الارتباط الاجتماعي بين الحزب وجمهوره، من خلال تقليص قدرته الاقتصادية وإضعاف شبكات الدعم والخدمات التي تُسهم بترسيخ حضوره داخل مجتمعه.
وبعد نحو عقدين من صدور هذا الكتاب الذي لم تتحقق الرؤية الواردة فيه على النحو الذي تصوّره صاحبه، تعود المقاربة نفسها إلى الظهور في دراسة بعنوان «لبنان بين الحرب وبناء الدولة: تقليص مساحة حزب الله» نشرها معهد بروكينغز في حزيران 2026 للدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان.
ويعيد فيلتمان إنتاج المنطق نفسه، إذ يرى أن إضعاف القاعدة السياسية والاجتماعية لحزب الله يتطلّب إثبات قدرة الدولة اللبنانية على توفير الخدمات وفرص العمل والأمن بصورة تتجاوز ما يستطيع الحزب تقديمه. وينطلق من اعتبار أن الحل العسكري وحده لا يكفي لتقليص نفوذ الحزب، وأن تحقيق هذا الهدف يستدعي تعزيز قدرة الدولة على الاضطلاع بوظائفها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وتكشف هذه المقاربات المتعاقبة عن رهان أميركي وإسرائيلي على أن الجمع بين الضغط العسكري والحوافز الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن يؤدي إلى تغيير العلاقة بين المجتمعات وحركات المقاومة بصورة عامة، وبين مجتمع المقاومة في لبنان وحزب الله بصورة خاصة.
وهكذا اصطدمت المقاربات المستوحاة من تجارب ألمانيا واليابان وأيرلندا الشمالية، في فلسطين ولبنان، بوقائع وبنى تأريخية واجتماعية وسياسية مختلفة، أسهمت بترسيخ روح المقاومة وتجددها عبر الأجيال، وأظهرت حدود المشاريع والخطط التي تفترض أن تغيير الظروف المعيشية كفيل بتغيير الوعي السياسي، وأن توفير البديل الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى التخلي عن خيارات تشكّلت عبر عقود من الصراع والتجربة التأريخية.



