خيانة الأمانة
“يُستخدم مصطلح الخيانة في الأصل في موارد خيانة الأمانة. فالله عزّ و جلّ يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، لكنّه يوجد من يخون الأمانة على الرغم من هذا الأمر الإلهيّ , أي: عوضاً عن أداء الأمانة إلى أصحابها فهو ينكرها أو ينقص منها أو يقصّر في حفظها وصيانتها، وهذا من مصاديق الخيانة، فأكثر الأمثلة شيوعاً للخيانة هي خيانة الأمانة، وبناء عليه يكون معنى الرواية: إذا خانك الآخرون بعدم أداء المال أو الحق الذي ائتمنته عندهم أو بتضييعه فلا تُقابلهم بنفس الأسلوب، لكن قد يتّسع مفهوم الخيانة ليشمل الخيانة لكلّ تعهّد والتزام. فقد يتعهّد شخصان أو فريقان ببعض الأمور فلا يفي أحد الطرفين بهذا التعهّد ويخون العهد. وهذا لا يُعَدّ اصطلاحاً خيانةً للأمانة، بل هو خيانة للتعهّد المبرَم مع الآخرين .وهذان المفهومان (وهما: أداء الأمانة، والوفاء بالعهد) هما من أكثر القيم التي تشكّل قوام الحياة الاجتماعيّة عموميّةً. فحتّى لو لم يكن لجماعة من الناس أيّ دين تدين به أو مذهب عقائديّ خاصّ، ولم يكونوا أصحاب أيّ مدرسة أخلاقيّة، أو تابعين لأيّ حكيم أو شخصيّة عظيمة لكنّهم يريدون أن يهنأوا بحياة اجتماعيّة مريحة مع بعضهم، فإنّه يتحتّم عليهم مراعاة هذين الأمرين. فالذين وقّعوا صلح الحديبيّة مع النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم كانوا عبَدة أوثان، لكنّ جلوسهم مع النبيّ واستعدادهم لأن يوقّعوا وثيقة صلح معه صلى الله عليه وآله وسلّم يعني أنّهم يقولون في قرارة أنفسهم: إنّنا ملتزمون بهذا العقد. يقول القرآن الكريم في هذا المجال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ ، فطالما التزم الذين أبرمتم معهم عهداً بهذا العهد فلا تنكثوه أنتم. فإذا نكثوا هم العهد من جانبهم فمن حقّكم حينئذ أن تنكثوه أنتم ولا تلتزموا به, لكن ما داموا أوفياء به فأنتم أولى منهم بالوفاء به، والقيمة التي تقوم الحياة الاجتماعيّة عليها هي أداء الأمانة. يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: “لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته إليه “. قال أمير المؤمنين عليه السلام: أقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثا: “يا أبا الحسن أدِّ الأمانة إلى البر والفاجر فيما جلّ أو قلّ حتى في الخيط والمخيط”. وروى مولانا الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: “ليس منّا من أخلف بالأمانة” ، وروى مولانا الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام عن أبيه عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة” ، وقال أبي كهمس: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: عبد الله بن أبي يعفور يقرئك السلام، قال: “وعليك و عليه السلام، إذا أتيت عبد الله فاقرأه السلام، وقل له: إن جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به علي عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فالزمه، فإنّ علياً عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بصدق الحديث وأداء الأمانة”. وديني رعْيُ العهد والود والصفا……فما لي ومُختار الخيانة والغدْر؟.



