اخر الأخباراوراق المراقب

من نهضة عاشوراء إلى مسيرة الأربعين .. كيف نبني مجتمعاً متماسكاً؟

تُعَد ذكرى عاشوراء التي تعيد إحياء ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) محطة إيمانية وإنسانية متجددة، لا تقتصر على كونها حادثة تأريخية يُستذكر ألمها وأحزانها، بل هي منهج حياة متكامل ونموذجي قادر على النهوض بواقع المسلمين وحياتهم وترميم أزماتهم الراهنة إذا ما تُرجِمَت دروسها إلى أفعال وممارسات عملية.

وإذا كانت عاشوراء تُشكّل المنطلق الفكري والعقائدي لرفض الظلم واستعادة قيم الإصلاح، فإن زيارة الأربعين تُعد الميدان التطبيقي والأبرز لترجمة هذه الثقافة إلى واقع ملموس؛ حيث تتجلى في هذه الحركة المليونية صورة مصغرة للمجتمع الفاضل الذي تذوب فيه الفوارق الطبقية وتتسع فيه مساحات التكافل والإيثار، مما يجعل من المقترن بين عاشوراء والأربعين مساراً استراتيجياً لترصين النسيج الاجتماعي والأخلاقي للأمة.

إن الاستفادة الحقيقية من ثقافة عاشوراء وزيارة الأربعين تبدأ من استيعاب فلسفة الإصلاح التي أعلنها الإمام الحسين عندما قال إن حركته إنما هي لطلب الإصلاح في أمة جده؛ وهذا يعني أن التغيير الشامل نحو الأفضل هو جوهر هذه الثقافة. ولتحقيق هذا التغيير، ينبغي للمسلمين اليوم التمسك بقيم العدالة ورفض الظلم والفساد بكافة أشكاله، سواء كان فساداً إدارياً، أو اجتماعياً، أو أخلاقياً، إذ إن مواجهة الانحراف هي أولى خطوات بناء المجتمعات القوية والمستقرة.

كما تقدم عاشوراء والمسيرة الأربعينية درساً بليغاً في إحياء الضمير الإنساني والمسؤولية الفردية والجماعية؛ فالإصلاح لا ينتظر المعجزات، بل يبدأ من الموقف الحر والشجاع لكل فرد في موقعه، لأن أزمة العالم الإسلامي اليوم في كثير من جوانبها هي أزمة وعي وأخلاق. وعاشوراء تعيد تعريف مفهوم العزة والكرامة، مبيّنة أن الأمة التي ترضى بالهوان والجهل تفقد مقومات نهضتها.

ومن هذا المنطلق يمكن تحويل المجالس والمراسم العاشورائية ومواكب الأربعين إلى منصات للتوعية والتثقيف والتغيير الإيجابي، بحيث لا تكتفي بالدمعة، بل تزرع الفكر المستنير، وتحث على العلم، وتدعو إلى التكافل الاجتماعي والتراحم، واستثمار هذه المناسبة لتأمين احتياجات الفقراء والمحتاجين وبناء المؤسسات الخدمية والصحية والتعليمية التي تنفع الناس.

بالإضافة إلى ذلك، فإن السمة الأبرز التي يمكن أن تستفيد منها الأمة هي الوحدة والترابط حول المبادئ السامية؛ فقد كانت ملحمة كربلاء تضم أطيافاً متعددة جمعهم الهدف الحق والمبدأ الشريف، واليوم تجسد زيارة الأربعين نقطة التقاء فريدة لجمع كلمة المسلمين وتجاوز الخلافات الهامشية والنزاعات الضيقة، والتركيز على القضايا الكبرى التي تهدد هوية الأمة ومستقبلها.

إن صياغة المستقبل الأفضل تتطلب استلهام الشجاعة الأدبية من أبطال عاشوراء لمواجهة التحديات الحضارية والحديثة، عبر بناء الفرد الصالح والمجتمع المترابط، والتمسك بالقيم الإيمانية التي تجعل من التضحية والإيثار والعمل الصالح وسائل حقيقية لانتشال الأمة من واقعها الراهن إلى واقع يتسم بالكرامة والعدل والتقدم الحضاري.

لذا فإن ترك الدين الإسلامي أو هجره من قِبل أفراده، جنباً إلى جنب مع وجود أنظمة وحكومات تكتفي برفع شعار الإسلام كاسم وواجهة شكليّة دون تطبيق لجوهر مقاصده وعدله، يعود على المجتمعات بمجموعة مريرة متراكمة من النتائج والآثار المحورية التي تصيب نسيج الأمة في العمق، وتؤثر على البنية الاجتماعية للمجتمعات الإسلامية.

مما يؤدي انحسار التدين الحقيقي وإفراغ المؤسسات والحكومات من الروح المُصلِحة للإسلام إلى شيوع أزمة هوية حادة وتخبط فكري يفكك الروابط الاجتماعية ويوهن وحدة المجتمع. وتتحول الرموز والشعارات الدينية في ظل الأنظمة التي تستغل الدين ظاهرياً إلى مجرد أدوات شكليّة للدعاية السياسية والسيطرة والتبرير الذاتي، مما يورث الجماهير شعوراً عاماً بالخذلان والسطحية والإحباط.

هذا الاستغلال الشكلي للإسلام ينعكس سلباً على النظرة العامة للدين ذاته، حيث يُحمَّل الدين خطأً تبعات الفساد وسوء الإدارة وتراجع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتسبب فيها تلك الحكومات. ومع تزايد الفجوة بين الواقع الشعاري والواقع الملموس، ينشأ جيل يعاني الاغترابَ النفسي والتشتت القيم، وينعكس ذلك في أشكال من السلبية الاجتماعية والتواكل وافتقاد القدوة والمثل الأعلى، لذا يجب العودة إلى الإسلام الحقيقي وتطبيقه فعليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى