مدن الخليج ؛ ماذا إذا وقعت الواقعة ؟!
في مواقع التواصل الإجتماعي، وفي ألأحاديث بين أشباه المثقفين، ثمة أحاديث ونقودات، وأمال وحسرات، تتحدث عن البون الشاسع بين مدننا ومدن دول الخليج والجزيرة العربية، بعضهم يقارن بين بغداد في سبعينيات القرن الماضي، وبين دبي في ذلك الوقت، ثم يعيد المقارنة بين بين دبي اليوم وبغداد اليوم، ويخلص ألى نتيجة مؤداها: أنهم سبقونا..!
عندما سُئل الروائي الكبير عبدالرحمن منيف عن سبب تسمية روايته الشهيرة «مدن الملح» قال: «قصدت بمدن الملح، المدن التي نشأت في برهةٍ من الزمن، بشكل غير طبيعي واستثنائي، بمعنى ليست نتيجة تراكم تاريخي طويل، أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، إنما هي نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة، هذه الثروة (النفط) أدت إلى قيام مدن متضخمة، أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حاد.
الشيء ذاته ينطبق على الملح؛ فعلى رغم أنه ضروري للحياة والإنسان والطبيعة وكل المخلوقات؛ فإن أية زيادة في كميته، أي عندما تزيد الملوحة، سواء في الأرض أم في المياه، تصبح الحياة غير قابلة للاستمرار. هذا ما هو متوقع لمدن الملح، التي أصبحت مدناً استثنائية بحجومها، بطبيعة علاقاتها، بتكوينها الداخلي الذي لا يتلاءم، وكأنها مدن اصطناعية مستعارة من أماكن أخرى.
كما قلت مراراً؛ والحديث ما يزال لعبد الرحمن منيف، عندما يأتيها الماء، عندما تنقطع منها الكهرباء، أو تواجه مصاعب حقيقية من نوع أو آخر؛ سنكتشف أنّ هذه المدن هشة؛ وغير قادرة على الاحتمال، وليست مكاناً طبيعيّاً لقيام حاضرات أو حواضن حديثة، تستطيع أن تستوعب البشر، وأن تغيّر طبيعة الحياة نحو الأفضل»..إنتهى هذا المقطع المستل من حديث الأستاذ عبد الرحمن منيف.
دعونا نقرأ الوقائع على الأرض؛ إذ برغم وفرة الأموال النفطية، وتحول أهم مقومات الحياة من الماء إلى النفط، لكن النفط لا يهب الحياة، فلا توجد في أي من دول الخليج مصادر مياه نهرية، ولذلك بقي الوضع المائي والبيئي والغذائي، في دول الخليج والجزيرة العربية هشّاً.
بشكل شبه مطلق؛ تعتمد غالبية مدن الخليج على تحلية مياه البحر، كمصدرها الرئيس للمياه، هذا المصدر يحتاج إلى جرعات مكثفة من الطاقة لتحليتها، ما يجعلها مكلفةً جدّاً، ولولا التكنولوجيا الحديثة، وموارد الطاقة من نفط وغاز، لما كان بالإمكان القيام بهذه العملية.
في تلك المدن الكونكريتية الضخمة، تعود المقيمون وهم أغلبية، والمواطنون وهم أقلية، على أن يفتح أحدهم الحنفية وستتدفق المياه، وعندما يضغط على زر الكهرباء، سينبلج النور ويشتغل مكيف الهواء، وإن أحس بالجوع يذهب الى السوبرماركت ويتبضع ما يشاء ما لذ وطاب، من الفواكه والخضراوات واللحوم المستوردة من كل بقاع العالم.
وراء كل هذا يقف النفط والغاز، والطاقة والمال الناتج منهما، هو الذي مكنهم من تحلية الماء، وهو الذي مكنهم من شراء الأغذية.
النفط سينضب عاجلا أو آجلا، والعالم يبحث عن مصادر بديلة للطاقة، ونجح في ذلك بنسبة مهمة، وأسعار النفط ستكون أرخص من أسعار الماء، وستموت مدن الملح، ، وفيما مدن الخليج لن يكون بإمكانها تفادي الواقعة، فإن بغداد ستبقى ..!
كلام قبل السلام: لا يوجد فرق بين لون الملح ولون السكر، فكلاهما أبيض..ولكننا سنعرف الفرق بعد التجربة!
سلام
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



