كاتب جزائري يدرس «شناشيل إبنة الجلبي»


ما زال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب برغم عقود مرت على وفاته أرضا خصبة لكل من يريد البحث في مواطن الشعر الحديث وميزاته. ويتطرق الكتاب الجديد للباحث والناقد الجزائري عبد الملك مرتاض “التحليل السّيمائي للخطاب الشعري.. معالجة مستوياتية لقصيدة شناشيل ابنة الجلبي”، إلى تحليل الخطاب الشعري العربي سيميائيا من خلال مثال من قصائد الشعر الحر للشاعر المؤسس لهذا النمط الشعري بدر شاكر السياب.
وجاء في مطلع القصيدة المحلّلة للسياب بعنوان “شناشيل ابنة الجلبي”:
وأذكر من شتاء القرية النضاج فيه النور
من خلل السحاب كأنه النغم
تسرب من ثقوب المعزف ارتعشت له الظلم
وقد غنى صباحا قبل.. فيم أعد؟ طفلا كنت أبتسم
يوضح عبد الملك مرتاض بداية في كتابه، الصادر حديثا عن أكاديمية الشعر في لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبو ظبي، معنى كلمة شناشيل، وهي شرفة معروفة بالعراق، مغلقة، مزدانة بالزجاج الملون كأنها وسيلة من وسائل نشر الرؤية من الداخل نحو الخارج، أي من نحو الحيز الضيق إلى نحو الحيز الأوسع، إذ يمكن للعين أن ترى عالما شاسعا من زواية ضيقة جدا إذا كانت مشرفة.
كما يوضح أن ابنة الجلبي ليست إلا كائنا إنسانيا، وعلى الرغم من ذلك، فإنها قابلة لاحتمال معاني الانتشار بفضل حب الشاعر الذي جعل منها مفاتن عجيبة لا حسية فحسب بل ومعنوية أيضا، وهذا ما يبرز صورة المرأة في مخيلة الشاعر التي لا تبتعد كثيرا عن مخيال الشعر العربي لكنها في لبوس حداثي مختلف في بنيته وتكوينه.
يقول عبد الملك مرتاض في مقدّمته للكتاب إنّه يعتز بكل ما يقدمه بهذه الطبعة التي تختص بها أكاديمية الشعر، فهي تتناول قضايا نظرية تطاول قراءة النص وطرائق تحليله وإشكالية تلقيه عامة، وهي من المسائل الجديرة بالعناية والاهتمام.
ويتابع مرتاض أن اعتماد كتاب كامل على تحليل نص شعري واحد، في مستويات متعددة من القراءة، هو في حد ذاته تجربة مثيرة يعتز بها أيضا، وهو مما أسسه ورسخه في النقد العربي المعاصر.
وكل ما يأمله هو أن يستفيد القراء من الكتاب الفائدة التي تعادل ما تكبده من مشقة تأليفه، إذ ليس من السهل تفكيك قصيدة من الشعر الحر بكل تلك التفاصيل التقنية والصور البليغة والحمولات النفسية والفكرية والعاطفية التي يمتاز بها الشعر الحديث، وخاصة قصائد بدر شاكر السياب التي تمثل مادة شعرية غنية في المستويات كافة.
يضمّ الكتاب الجديد بين دفتيه ثلاثة مستويات، جاء عنوان المستوى الأول التشاكل والتباين في لغة السياب الشعرية، أما المستوى الثاني فقد تناول الحيز والتحييز الشعري في لغة الشعر لدى السياب، وتضمن المستوى الثالث التحليل بإجراءات المماثل والقرنية.
يمثل هذا الكتاب تجربة نقدية في الحياة الأكاديمية للناقد عبد الملك مرتاض لم يبرح أن يسعى إلى تطويرها يوما، وتثبيت أركان إجراءاتها، والتمكين لأدواتها، بحيث يمكن أن تصبح تأسيسا منهجيا يحتذى به.
الجدير بالذكر أن عبد الملك مرتاض من مواليد 10 تشرين الاول 1935، أستاذ جامعي وأديب جزائري حاصل على الدكتوراه في الأدب. ولد في مسيردة بولاية تلمسان.
صدرت له مجموعة كبيرة من الكتب المطبوعة في النقد والدراسات التحليلية في اللغة العربية والأدب والقصة والشعر، ويعمل حاليا كأستاذ لمقياس الأدب الجزائري، من أهم صفاته بين طلبته تواضعه وسمته، يعد مرجعا في الدراسات الأدبية والنقدية. وهو أحد الأعضاء في لجنة التحكيم لمسابقة أمير الشعراء التي تقام في أبو ظبي.



