أين نحن من أخلاق الحوار؟

محمد علي جواد تقي..
مِنَ التَّوَاضُعِ أَنْ تَرْضَى بِالْمَجْلِسِ دُونَ الْمَجْلِسِ وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ تَلْقَى وَأَنْ تَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كُنْتَ مُحِقّاً”.
الإمام الصادق، عليه السلام.
بهذه الوصية الرائعة نفتتح المقال حول أفضل الطرق لحوار ناجح ومثمر، فالإمام الصادق يحدد هدفاً سامياً يتطابق مع الفطرة الإنسانية المحبة للتقارب والتعارف، وهو الحضور في الجماعة كفاعل ومؤثر إيجابياً متوّجاً بصفة أخلاقية رفيعة وهي؛ التواضع الذي يُعد الحوار الإيجابي من ثماره.
كسب القلب قبل العقل
ما يدور في أوساطنا من نقاشات في الفكر والعقيدة، أدواتها العقل بالدرجة الاولى لردّ فكرة بأخرى، او باتباع أسلوب النقد والتفنيد بسوق الأدلة والبراهين العقلية والنقلية ايضاً، وربما يتم الإفحام بالاستناد إلى القرآن الكريم وأمثلة من التأريخ، بيد أن الطرف المنسحب اذا كان قد استسلم فكرياً، سيحتفظ بمشاعر سلبية في قلبه، وهذه المشاعر تدفعه لاستراحة محارب، ثم التوجه الى المزيد من البحث والعودة الى مضمار النقاش في زمان ومكان مختلفين، مستفيداً من مظاهر سلبية في الشارع، او تناقضات بين النظرية والتطبيق.
رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو النموذج الأسمى لنا في الاخلاق، وقد أوصانا القرآن الكريم بأن نجعله {أُسوَةٌ حَسَنة}، كان يتبع أسلوب جذب القلوب قبل العقول، وهو رسول رب العالمين، يحمل مهمة رسالية عظيمة، فهو لم يثبت صدق دعوته بالأدلة العقلية، كما أن التجربة أثبتت عدم جدوائية المعجزة، التي يفترض أنها دليل ملموس للطرف المقابل، في تغيير منهج حياة المجتمع الجاهلي في مكة بشكل كامل، إنما اتبع الاسلوب الاخلاقي، وهو بالأساس كان قمة في الأخلاق والآداب بين افراد المجتمع المكّي الجاهلي قبل بعثته نبيًّا، ومن أبرز الصفات الأخلاقية لديه؛ الليونة في الحديث والتعامل مع الناس، وهي الصفة التي ذكرها القرآن الكريم بالاسم تحديداً للتأكيد عليها لغوياً كمفردة وكمفهوم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
وهذا يكشف لنا مدى اهتمام الاسلام بالجانب النفسي للإنسان، وأن مشاعره وعواطفه تكون حاضرة دائماً الى جانب العقل في جميع حركاته وسكناته، وهو ما يتجسّد دائماً في سلوك المعصومين، وايضاً سلوك أبنائهم الصالحين في تعاملهم مع التشكيك، والجحود، وحتى التكفير، والسبّ والشتم، ولا أدلّ على ما نقول من الموقف العظيم لأمير المؤمنين، عليه السلام، من ذلك الرجل الذي قال في معرض تنكيله به، عليه السلام: “قُتل الكافر ما أفقهه”! فكان جوابه، وسط الضجة الكبيرة للمحيطين، ومحاولتهم قتله: “إنما هو سبٌ بسبّ أو عفوٌ عن ذنب، وأنا عفوتُ عنه”، وبهذا الاسلوب الحضاري الراقي تمكن أمير المؤمنين من إصلاح نفوس وأفكار العديد من أمثال هذا الرجل، ليس في الفترة التي عاشها، عليه السلام، بل وحتى يومنا هذا، والى يوم القيامة.
تغليب الرأي الشخصي من أجل الحقّ
ثمة اعتقاد لدى البعض بأن تعكّزه على قيم الدين والأخلاق، واستناده في الحديث على القرآن الكريم، وكلام المعصومين، عليهم السلام، يجعله صاحب الحق مقابل من يحاوره، بدعوى أن ما يأتي به “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”، وهو كلام السماء، والمطابق للفطرة الانسانية والوجدان، فلا مجال سوى الانصياع لمن يتحدث بهذا الخطاب.
هنا نكون أمام مفترق طرق قبل الخوض في الحوار مع الآخر: إما سبيل حب الذات، أو سبيل الحق، فالتوجه الاول ربما يحقق شيئاً للحق ولصاحبه، ولكن؛ مادام هذا الحق مقروناً بالانسان غير المعصوم، فإنه ربما يطرأ عليه تغيير في كلام او موقف او سلوك في المجتمع يتسبب بانطباع سلبي عنه، ومن ثمّ عن الحق الذي يحمله ايضاً، فنحن نعيش في مرحلة صعبة من مسيرة الرسالة السماوية في الحياة، جعلت أفراداً في المجتمع لا يهمهم الركون الى الباطل ما دام يضمن لهم فرصة العمل والراتب والامتيازات، لأنهم لم يجدوا المصداقية لقيم الحق على أرض الواقع في بعض الاحيان طبعاً.
ثم إن الناس تنظر الى الشخص المنتصب أمامهم، وهي مسألة طبيعية، أما القيم والمفاهيم فهي عناوين غير مرئية للناس، او للشخص المتحاور، فهذه كلها جميلة وجاذبة للنفس، بيد أن طريقة التلفّظ، وتوزيع النظرات، وحركة الفمّ للابتسامة التهكمية –مثلاً- او حتى درجة الصوت، وسائر الإيماءات، كلها تشكل أدوات ذات تأثير مباشر في الحوار تترك بصماتها على المضمون؛ سلباً او إيجاباً.
وإذن؛ فإن الحوار مع الآخر المختلف، او حتى الحوار بين الاخوان المؤمنين حول مختلف القضايا الخلافية، او حتى الحديث المعرفي لإفادة المستمعين في جلسة ودية، كلها تتطلب الأخذ بعين الاعتبار الجلساء المستمعين قبل استشعار الزهو بقوة الفكرة وعظمة الأدلة والبراهين، فهذه تحرك في النفس مشاعر الكِبر والتعالي، ربما بشكل غير محسوس، نحو التسلّط ومصادرة آراء وفكر الآخرين، او التقليل من شأنهم، وإنْ كان هذا يتعارض تماماً مع قيم الدين والأخلاق.



