لوحات التشكيلي حسن حداد.. تدرجات لونية تعكس سريالية الواقع العراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد رحيم يوسف، ان الفنان التشكيلي حسن حداد حاول تأصيل تجربته الفنية الجمالية عبر العمل عليها والخوض بمسار فني لا يشابه غيره من مسارات مجايليه خلال سنوات طوال نسبياً.
وقال يوسف في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “يمكننا القول عن حسن الذي وجد نفسه وسط أمواج الحداثة الفنية في لايبزج بألمانيا، ومع ان هذا لم يكن سوى حلم بعيد المنال بالنسبة له، فان عملية التعامل مع هذا الحلم الواقع سيحتاج الى زمن لاستيعابه والتكيف معه بوصفه صدمة تتماثل مع ما عاشه من صدمة في البلاد التي غادرها، لكن هذا التماثل لم يكن سوى بالمسمى، لذلك استغرق بعض الوقت من أجل ترميم ذاته والتعامل مع واقعه الجديد هو القادم من بلاد تبتكر الموت ويحمل في رأسه أعدادا لا تحصى من ذكريات الحروب والموت المجاني، ليبدأ رحلة أخرى أو مرحلة أخرى بمعنى أدق في صناعة الجمال عبر تصادم خفي بين ماضيه المر وحاضره الأكثر مرارة بسبب الغربة وضغوطاتها”.
وأضاف: “لنتأمل جيداً في السطوح التصويرية المبثوثة، ونطرح سؤالا، هل يمكننا ان نعد تلك المشخصات المبثوثة على السطوح التصويرية أجسادا بشرية؟ والجواب سيكون بنعم ولا في ذات اللحظة، نعم لأنها أخذت الأشكال العامة للكائنات البشرية، غير انها تنحو منحيين في المنحى الاول هي أجساد بشرية تعرضت للتشويه القصدي المتعمد فبدت غير مكتملة وفي المنحى الثاني بدت وكأنها أشكال أقرب للكائنات الفضائية، ولعل هذا يعكس حالة التشظي الروحي التي عانى منها الفنان، ليعكسها على كائناته لتتحول العذابات الروحية الى عذابات جسدية صرفة، لان الألم كما هو معروف لا ينتاب الجسد دون ايحاءات روحية تنطلق باتجاهه ليشعر بالألم، وهكذا يتعامل حداد مع الأجساد المتشظية الحاملة لعذاباته الروحية التي رافقته وسترافقه في رحلة حياته مهما امتدت، مع ان الجسد يحاول الانعتاق بشيء من الوسائل، من أجل تغيير ما في حياته أو تجاربه”.
وتابع، ان “حسن حداد طابق بين ما هو روحي وما هو جسدي في بحثه الجمالي عبر هذه التجربة وما سبقها بكل تأكيد، على اعتبار انه مارس التجريب وما يزال. في مساراته الاسلوبية المستمرة، من أجل ايجاد حلول جمالية تجسد ما يشعر به ازاء العالم الذي يحيا فيه وطرحها للتلقي، وليست المشخصات المبثوثة تبدو غرائبية بل حتى المفردات الشيئية كالنخلة والنافذة”.
وأوضح: ان “السطوح التصويرية بمجملها محكومة بعلاقات هندسية صرفة وذلك بتأثير واضح من دراسته للتصميم الذي ترك تأثيره على السطوح والتي يديرها بقدرات ادائية كبيرة وذلك عبر فهم جغرافيتها جيدا ولذلك تحولت الالوان الى دواعم تفسيرية. وهي تحتضن المشخصات الشحيحة نسبة للمساحات اللونية الواسعة التي تشي بتأثيرات لا يمكن اغفالها باشتغالات استاذه علي طالب، مع ان هذا لا يشكل خللا فيها اطلاقا، على اعتبار ان عمليات التأثر والتأثير وجدت وستبقي في التجارب الفنية على مستوى العالم وليس عراقياً فحسب”.
وأشار الى ان “المساحات اللونية الواسعة التي تشغل السطوح تضج بلغة شعرية واضحة وعلى الرغم من كون تلك السطوح تنتمي الى المرجعيات الفنية الاوروبية والسريالية الحديثة تحديدا مع تدرجات لونية تمنح المتلقي فسحة من التأمل ولعلها تعكس سوريالية الواقع العراقي حيث نشأ الفنان، ويمكننا تأشير مسحة من الحزن الدفين الذي يمكن تلمسه فيها والذي يتضح من خلال العلاقات الخفية التي يخلقها الفنان بين المساحات اللونية الواسعة وبين التشخيصات التي تختلف من سطح لآخر، وهذا لا يخرج عن الصراع الذاتي مع الموضوعي لان الفنان هنا يعمد الى محاولة استعادة أحداث ووقائع بقي يدور في فلكها لأنها جزء من تكوينه النفسي الخاص”.
وأكمل، ان “الكائنات التي يدونها بدت وكأنها خرجت من عوالم أخرى، عوالم كابوسية صرفة، لكنها في واقع الأمر تمثل جزءاً بسيطاً مما عاشه أو عايشه بمعنى أدق وهي كائنات غير مكتملة الأطراف أو منكفئة على نفسها لتبدو وكأنها في قطيعة مع العالم وهي تبحث عما فقدته جراء سيل الاحداث الغرائبية التي حدثت وتحدث في بلاده البعيدة التي لا يعيش ذكرياتها فحسب بل يعيش أحداثها يوميا لأنه حملها معه أينما حل”.



